لا تلقوا بالمناديل فى مطفأة السجائر !
أخيرًا وصلت للقمة؛ أخيرًا
سأرى هذا العالم الخارجى .
يُداعبُ الهواء أطرافى،
وتقتطفنى هى سريعًا فيمور قلبى بالقلق، أأكون منديل عرق أو وسخ أو ...، تأخذنى ثم
تطوينى لأُشكّل مستطيلاً ثم تُنَصِّفَنى لأُكوِّنَ مربعًا، ترتعش يداها وتتجه
ناحية وجهها، الغرفة حارة رطبة ولا أرى فيها سوى ضوءٍ أصفر وسريرٍ غير منظمٍ وهذه
الفتاة، وجهها مؤطرٌ بالحجاب وبداخله يظهر وجه حسن، دقيق الأنف والحاجبين، نظرت
لعينيها السوداوين البسيطتين، هى لم تكمل العشرين بعد!
تدخلنى لمحيّاها كى أجفف
الدموع، ياله من شرفٍ عظيم يا سيدتى !، فبعد أن ظننت أننى سأكون منديلًا للوسخ
هاهى تُكافئنى بالعبرات، وهل لنا شرف أجلُّ من هذا ؟
تتركنى على المنضدة بعد أن
تسقّيت عبرات قليلة، لاحظت أنها تحاول إخفاء انتحابها، يرن هاتفها فتقول: إنه
مُحمد، ماذا أفعل يا سمر ؟!
تضغط زر الرفض، ثم تنظر فى عين صديقتها وتكرر السؤال : ماذا أفعل ؟!، سأجنّ
.
بينما أنا على المنضدة،
تابعت الغرفة بشكلٍ أدق، هناك مكتب للمذاكرة يحاذى الحائط الوردى تعتليه مجموعة
كُتب دراسية، شباكٌ منفتح لا يدخل منه الريح؛ علّنا فى الصيف، لمحت تلك العلبة القرنفلية
التى خَرجتُ منها مكتوبٌ عليها : (مناديل ناعمة الملمس)، أرى صاحبتى وهى تقول مرة
أخرى: لم أكن أريد أن أحبه ولا هو أراد؛ إنما القدر غلّاب يا سمر ولا غالب له .
وبعد لحظة سكون تستطرد:
ماذا تعنى قراءة فاتحة يا سمر، هاه ماذا تعنى ؟!
أتسقّى مجددًا من ماء العيون،
لا بأس فإنما لهذا شُرِّفتَ، تعود مجددًا وتقول: هل أطلع أخى على الموضوع بأكمله ؟
أيفهم ما يعترينى من مشاعر !؟
لم أسمع أية أجوبة من سمر،
وضعتنى مرة أخرى على المنضدة، رأيت فى سقف الغرفة مِروحةً مُركبٌ بها لمبات هى
مصدر هذا الضوء الأصفر المزعج، سمعت صوت غير صوتها يقول: علىّ الآن الرحيل، تقبلى
الأمر الواقع، حاولى أن تتعايشى معه، فلا باليد حيلة، وليس لكِ مناص !، على الأقل
أُتركى اليوم يمر بسلام وللحديث بقية !
فقالت صاحبتى : لا تتركيني
الآن .. أرجوكِ !
اختفت الأصوات من الغرفة،
يبدو أنهما رحلا، حسبت أننى سأبقى هنا وحدى طويلاً ريثما عادت، واتجهت يدها صوب
العلبة القرنفلية لتقطف منديلاً غيرى، لماذا ؟!، لمحتنى، أخذتنى من على المنضدة،
ترتعش يداها أكثر وأكثر، وتتكرم عيونها علىّ كنهر النيل !
***
نسمع صوت الجرس فنخرج
سويًا من الغرفة، تكمشنى فى راحة يدها اليمنى، كُنت مهلهلًا من كثرة العصر
والدموع، نتجه صوب باب الشقة الفخم حيث تعرفت على كائنين جديدين كبيرين فى السنِّ،
ربما الوالد والوالدة، ثم أتى ثالث لاح عليه صغر السن، يفتح الأبُ البابَ فيدخل
رجلٌ كبيرٌ وشابٌ وسيدةٌ وطفلةٌ، تنقلنى ليدها اليسرى لتعتصرنى بها ولتصافح بيمناها
الضيوف، يدها ترتجف إلى حدٍ لا أطيقه، تذهب بى لمكانٍ جديدٍ، إنها غرفة الجلوس على
ما يبدو، تجلس على كرسى وحدها وعلى الأريكة اِجتمع الأبوان، تجلس أمها على كرسى
بجانبها، أما البقية فتوزعت على الكراسى المتبقية .
تتعالى المجاملات ويبدأ
حديثٌ اِعتيادى، الكل يتوردون حُمرةً بما فيهم الأبوان !، خارت يدها فتعتصرنى
بيدها عصرًا لا يُحتمل!، أشعل الأبوان سيجارتان فتصاعدت تلك الرائحة الكريهة
النفَّاذة لتلوث الهواء، تتساقط عبرة من عين الفتاة فتكفكها بى فى لمح البصر،
تصطنع التماسك وتقتل كافة مشاعرها !
تُلقِى بى على المنضدة
بجانب المطفأة ثم تتجه يدها صوب علبة مناديل أخرى خشنة التصميم لم أكن أرتاح
إليها؛ بها مناديل تناقضنى الصفات، حزنت لفراق سيدتى حينما أمسيت وحيدًا على
المنضدة ووجدتهما يلقيان بالرماد فى المطفأة الواقعة بجانبى تمامًا !
تمسح الفتاة جبينها بالمنديل
الجديد ثم تنزل مسرعًة على عينيها كى لا يلاحظ أحد!، يتحادثا الأبوان فى الساذج من
الكلام، تتعالى القهقهات المفتعلة، يلمحنى أبوها وأنا ملقى على المنضدة فيحملنى
وينظر لابنته لوهلة، ثم يضعنى فى مطفأة السجائر، فى مسَّتِه أحسَّ ببللى ولا شك!
ياللحظ العاثر؛ فبعد أن شُرِّفتَ بالدموع هأنا أستقبل رماد التبغ !
***
أخمدا سيجارتيهما بجانبى،
أشعر بالنفور مما أنا فيه، انقلينى أيتها الرياح ! انقلينى واتركينى أُحلِّق كى
أحل هذا المأزق، وأنَّى لى أن أطير والدمع بداخلى محتبس ؟! بدأت النسمات تهفو
فتشتد وكأنها تستمع لى وتستجيب، والدموع تتبخر فى الهواء فتودعنى بتحيات الفراق
وكأنها تقول : (لبيك لبيك أيها المنديل الوفىُّ) .
تُغادرنى الدموع تمامًا،
أجفّ وأخفّ، انقلينى الآن أيتها الرياح، أشعر بارتفاعى فى الهواء وأجد نفسى
مُحلقًا فى الغرفة نحو رجل الأب البغيض ومعى بضعة من ذرات الرماد .
ارتطم برجله فأشوه منظر
بنطاله، أشعر بالنشوة وبالظفر، فها قد حققنا المُراد، وسيفئ إلى الحق ... أجمل
بِها من إشارة أرسلناها له !
***
يضحك بارستقراطية فينفض
عنه الرماد والأوساخ، يضعنى مرة أخرى فى المطفأة كأن ما كان لم يكن !، عندها مسكت
الفتاة بالمنديل الخشن وكفكت عبرة هزيلة، تلمحها الأم فتأخذ منها المنديل قائلًة :
( أعطنى إياه كى تستطعين قراءة الفاتحة!) تمور بحور من الحزن فى قلبى إن ثمة قلب
لى، تضع الأم المنديل الخشن بجانبى فى مطفأة السجائر، يقرأون جميعًا الفاتحة
بخشوع ٍ ..
كاذب !
بخشوع ٍ ..
كاذب !
ينتهون، أنظر بجانبى لأرى
المنديل الخشن، يرسلان علينا رماد السجائر مرة أخرى، أشعر بالتقزز؛ ليس للرماد؛
إنما لهذا المنديل الذى سيصاحبنى؛ فقد خرجت أنا من علبة قرنفلية ناعمة الملمس
بينما خرج هو من علبة جامدة، منديلان سيبقيان من بعضهما مدة طويلة، وسيذهبان –حتمًا-
لصندوق قمامة واحد .
22/4/2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق