إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 21 مارس 2012

السَّائلُ فى الزحام / قصة قصيرة

السَّائلُ فى الزحام


كان يدرك أن لمصر زحامًا ممدود، أراد أن يجرب شيئًا مُعتادًا، هبط لفخ الزحام، رغم أنها عطلته ولكن الزحام فخًا به النجاة، ولهو أفضل مائة مرة من الضياع المنتشى فى الربوع والأنحاء .

ذقنه اليوم ليست حليقة كالعادة، وسمرة وجهه المتجعد تنعكس فى قيظ النهار، وأعذروه لنتواءات ملبسه وتقطعاته؛ فإنما برزت لأجل ألا تبرز فى ملبس ابناءه وامرأته .

" كم هى الحياة عبوسة المحياة !" هكذا رددت نفسه .

الزحام فى الشارع خلق ضجيجًا فظيعًا، الكل ينتظر الحافلات فى الموقف والكل يتكلمون، والشمس كرة تلفح القفاه، رأى على غرة شيخًا عجوزًا يرتدى جلبابًا وخماراً وله وجه مكلل باللحية كالبدر فى طلعته بين دجى الزحام، فذهب له على الفور وقال :

-متى ينصلح الحال يا حاج ؟!

لم يرد العجوز بل تركه وغادر، فذهب على إثره وقال :

-تبدو لى مقتطف من الجنة يا حاج، ألا فلتدعو لى أن ينصلح الحال .

ولكن قسمات وجه العجوز ظلت كما هي، فشعر حينها بكآبة تغشى الدنيا ومن عليها حتى تفاجأ بطفلٍ يشده من بنطاله ولما نظر له قال الطفل:

-أعذر الشيخ يا أستاذ فهو لا يجيد السمع .

سرعان ما هبط قليل من العزاء على قلبه، فشكر الطفل وطافت عيناه فى الزحام فعثر على هذا السياسى المشهور، ألا فلتذهب رائحة العادم إلى الجحيم !، الضجيج فوق ما يحتمل .. فوق ما يحتمل، ركض نحو السياسي وقال له :

-ما شاء الله حضرتك تنتظر الأوتوبيس كباقى أفراد الشعب تمامًا .

ولكن السياسي لم يعره اهتمامًا؛ فقد بدا منشغلاً فى حديثٍ سياسي مع رجلٍ أخر، ومع ذلك استطرد عسى أن يسمعه قائلاً :

-قلْ لى بصفتك سياسي مخضرم، متى ينصلح الحال ؟!

فلم يرد السياسى عليه وظل منشغلاً فى الحديث مع الطرف الأخر، فأحس بأن هنالك من يجذب بنطاله للأسفل؛ نظر فوجد الطفل يجذبه مرة أخرى قائلاً :

-لا يرد عليك لأنه لا يسمع كالشيخ تمامًا .

فتلّوت شفتاه إمتعاضًا وأسودت الدنيا فى وجهه وشعر بأن العالم سينتهى قريبًا، قريبًا جدًا، وتساءل فى نفسه إن كانا أصمّان فمنذا الذى سيسمعه ؟! رأى الطفل ذو الوجه البشوش فقال له :

-من كثرة الضجيج فى الزحام لا أكاد أميز الأصوات ولا عن ماذا يتحدثون ؟!

فرد الطفل بعفوية :

-هم خلق الله، يتحدثون فى السياسة العليا للبلاد من أجل الأصلح للعباد .

فقال الرجل :

-وهل تعتقد أنهم سيتوصلون لشيء يُصلح الحال ؟

رفع الطفل كتفيه وأخرج شفته السفلى دلالة على عدم المعرفة بالغيب وقال بعدها :

-أنت تسألني فيما لا أعلم يا أستاذ ولكن ما أعلمه أنهم كلهم فاقدي السمع !! فليس ثمة سامع فى هذه المدينة !

هالته الجملة التى سمعها فأصيب بخضة بالغة، وتخيل المنظر من أعلى، كلهم .. كل هذا الزحام يتكلم ولا يسمع، يعرض رأيه ولا يعرف رأى الأخر، يصر إصرار العنيد ولا يدرى بالأفكار الدائرة فى خلد الأخر .. تساءل عقله فى حكمة ولماذا إذن يسمعه الطفل .. فخرجت على لسانه (لماذا كنت وحدك تسمعنى وتصغى وتصيخ ؟!) .. فقال الطفل بنفس العفوية :

-كلها كم يوم يا أستاذ فأكبر فأفقد السمع .. مثلهم تمامًا !




مصطفى سلامه
20-2-2012

الخيار الأصلح للأمة / قصة قصيرة

الخيار الأصلح للأمة


الدنيا من حوله مزيجٌ من ظلام كالح وشعور بهيمي طول الوقت، وعبثًا حاول أن يدرك ما حوله فلم يستطع إذ أن عقله أقل من الإدراك، فظل يبكى ويصرخ ويتألم كى تحس بِهِ!، وأخيرًا أحسَّ بحضنها الحنون فارتمى كليةً على صدرها وكيف لمثله أن يشعر بالأمان إلا بين طيّاته، لثم ثديها وظل يأخذ غذاءه بروية وهدوء، الكون بكليّته يتمثل له فى صدرها؛ فذاك هو عالمه وسمعه وبصره وقيمه -العليا منها والسفلى-، هدأ قليلاً مع الشبع وشعر بثقل بطنه وقوة تدفعه للنوم لا يعرف ماهيتها فاستسلم لها وأضجتعه هى على المهد ليغيب فى سبات معسول، سيرى فيه الملائكة البيضاء تلعب معه، فتلك الكائنات –وهى وحدها- من يستطيع رؤيتها !

***

تمر الأشهر بهِ سريعًا ولا تخلو من ألم أو شعور بهيمي، بدأ يشعر بكائنٍ آخر غير تلك الملائكة البيضاء يلوح فى الأفق، هو لا يرى سوى شعرها الأسود وعينيها ولكنه لا يدرك منها شيء، اختفت الملائكة البيضاء الشفيفة، الآن الكون كله يتمثل فى تلك الكائنة وهذا الحضن الدّفيئ وبضعة معالم من السرير والسقف والحوائط، ولكنه لا يزال فى حالة من القلق الدائم وعدم الراحة إلا بين ربوع صدرها .

***

عادت من العمل بزيها الرسمى حيث برز عليها تنورة رمادية طويلة وسترة أنيقة بنفس اللون وحجاب يُغطى شعرها ورأسها المحفوف والمكتظ بالأفكار والخيالات المريضة وغير المريضة كإكتظاظ الحدائق العامة بالبشر فى (شم النسيم)، فرأت الصغير الوليد وبجانبه (أم ياسين) المربية والمرضعة والتى تجالسه صباحًا حتى تعود هى من العمل، رحلت (أم ياسين) التى لا يرتاح الوليد إلا فى عالم صدرها، فبكى ولفظ صدر أمه الحقيقية لمّا حاولت ارضاعه، تلك الأم التى اتخذت من عملها أولوية قصوى، وارتأت فى المرأة الأوروبية ومطالبتها بحقوقها كاملة فطرة أصيلة تم اكتشافها ووجب اتباعها، ومن السيدة كوري مثلاً أعلى لا يجب النظر إلا صوبه، فليلفظ وليدها ثديها وليتناول صدر (أم ياسين) فذاك أصلح للمجتمع ... أليس كذلك ؟! وكيف لهذا الوليد أن يدرك العالم من حوله ... فهو لا يزال صغيرًا ضئيلاً، لا يعرف معنى الفقر والضرورة والعلم والحياة، فلتحرم نفسها هى من أن يكون صدرها كل عالمه الذى يشعر به حتى لا تستعر نفسه مستقبلاً من الجهل أو الحرمان !




بقلم / مصطفى سلامه
26-2-2012

أموات / أقصوصة

أموات
02/01

لم ينقطع قطار السجائر عن فيَّه المتلهف للدخان وصدره الأسَيِّ، وخلف صوت القرآن الواصل للآذان سمعته يذكر مَحاسن الرجل :

( لقد كان يحب الجميع، ولم يكن يكره سوي الشيطان!)

ويتمتم فى سرِّه ببضعة دعوات، وتعود شفتاه للسيجارة، وقد كاد الدخان أن يزكم أنفى، وأحسست بأنني مُدججٌ بالأحزان وفي النهاية نظر لي بعينيه السوداوين البريئتين الذائغتين الملبدتين بالدموع وقال بعدما تساقطت عبرة :

- كان نائمًا كالملاك يا صاحبي، كالملاك والله، أحسست بأنه حيٌّ، لم ولن أصدق موته !

سكت لبرهة حتى ظننت أنه أكتفى، ولكنه عاد وقال :

- حتى الآن أشعر بأنني أنا من مُت وهو من عاش، نعم نحن جميعًا أموات يا صاح !

الفرق الكبير/ أقصوصة

الفرق كبير
30-1

وقف الأب والابن أمام البائعِ، الأب يُفكر فى المشتريات والمبيعات وكيف يكفي المرتب لنهاية الشهر ؟ ما الجديد .. تعبر السيارات وتتسلط الشمس بأشعتها على أي ضوء وتلفح الرياح الحارة الجبين كالسياط؛ فما الجديد ؟!

الجديد كان عند الابن، الذى كل يوم يغير من تمشيط شعره ووضعه، ويتخيل نفسه فى موقف الرجل الخارق (سوبر مان) الذى شاهده البارحة لأول مرة، ويتضرع لله كى يصبح خارقًا مثله تمامًا، ولما رأى دمية بلاستيكية صغيرة، ضغط على يدِ الوالد باكيًا : أشترْ لي واحدة ...

وكان رأس الوالد محموم مهموم فمن أين يأتي بالمال ؟! وهل رفاهية الولد بدميةٍ قد تملأ بطنه ؟! الحق أنها ستملأ باطنه بالنشوة، والنشوة تتلاشى كدخان السجائر، فحمل الصغير الباكي على كتفه وظل يهدهده حتى عادوا للبيت

شدة ألم / أقصوصة


شدة ألم

نظرت لوجهِ العجوز الذى كرمشته التجاعيد، وأحسست بروحهِ المثقلة بالهمِّ تتحدث لي لأول مرة قائلاً :

- لقد كابدت من الآلام الكثير، حتى لم أعدْ أتألم لشئ .

- وما السبب فى تلك الحالة، أليس الألم مطلوب لتكتمل إنسانيتك ومعالمها ؟!

أدار جلبابه وأعطاني ظهره ورحل، فهل من غالبٍ لتلك الاستدارة - من ذا تعبير عن الاحتقار - ؟!، أم إنها من ذا مؤكد على نقص إنسانيته !

01/30

عدالة متأخرة

عدالة متأخرة




مَنْ يحمي القانون سوى رجال القانون ؟! ... لو كان يعلم المآل فقط من البدء لما عانى مع الدنيا الكثير، ذهب لها بتباطئ وربت على كتفها وقال :

- سنذهب إلى بيت جدي لقضاء العطلة .

لم ترد بل إندهشت وأنعقد لسانها فيْ الحال، مِنْ أى رجل تزوجت يا ترى؟! مجنون !! قضاء العطلة في بيت الجد ! أعجب بها من خطوة لينسيها فشل الحمل طوال عام!، ولا ضغائن عن الجِدِّ إنه فقط السلوك الذى يسلكه ليتهرب من مصيره أو واقعه، رغم كل ذلك رفعت حاجبيها بتحدٍ وأعطته تلك النظرة –التي يعرفها حق المعرفة- وقالت بسخطٍ مكتوم :

- كما تريد يا عزيزي .


***


إن الأمر لا يتعلق بالحارة التى وصل إليها ولا بالشارعِ المتعامد .. الأدهى أن الأمر غير متعلق بالجدِ أيضًا، فلماذا قدم إلى هنا إذن ؟! إن الأمر لا يعدو كونه لحظة جنون مع مُرِّ الحياة وثقلها .. فقط لحظة غضب مكبوتة حولته لهنا عند جده، حيث وقف فى الشرفة بعدما تناول الغداء، كانت السفرة كما هي، ستة كراسى وطاولة خشبية خشنة أرضها بلاط أبيض مشوب بنقطٍ سوداء، ولم يعرف بيت الجد السجاد مطلقًا ! ولا الستائر، والدهان على الحوائط أصفر متآكل، حتى من تناولوا الغداء هم هم كآخر مرة، هو وزوجته وأمه وجده فقط من تبقوا كأسرة له، دخل جده لغرفة النوم التى ما بها سوى طاولة وتلفاز وسرير، والتلفاز عريقٌ حقًا وللجد أن يحمد الله كل عشيةٍ وضحاها أنه للآن يعمل، يجلس على السرير ويدخن السجائر المحلية بلا تمزج ويشاهد الصندوق الخشبي الذى يجلب قنواتًا بلا ألوان، أحتجبت أمه بالغرفة لتأخذ قسطًا من النوم وذهبت زوجته للمطبخ، وخرج هو للشرفة ..

الحارة أيضًا كما هى، عرضها متران ربما أو يزيد، والصغار عابثون لاعبون لاَهُون كما هم، تمتد الحارة أربع بنايات ولا يزيد طول البناء عن أربعة أدوار، ويقع بيت الجدِ فى مبتدأ الحارة والشرفة التى هو بها بالدور الأول فتجعله يسمع كل ما يدور هنالك، المباني هنا تنطق بالقدم والتاريخ وعدم الإهتمام أيضًا فتلاحظ بسهولة الطوب المُغطى بالأسمنت الخفيف فور أن تنظر للبناء، ويُعْد الشارع مكانًا محظورًا للأطفال اللاعبون وبخاصة مَنْ هم أقل مِنْ الثامنة، وإن حاول أحدهم الخروج للشارع يلاحقه أخاه حتى يتشبث به من ملابسه ويدخله الحارة مجددًا، ففيْ الماضي حدث أن خرج طفلاً للشارع وكادت عربة مارة أن تودى بحياته لولا ستر العناية الإلهية، ونتج عن الحادثة إنكسار رجله فقط !

أمامه يتضح شخصًا، هو أحد المجانين بلا شك، هيئته عبارة عن بنطال رمادى –إعتاد البياض ماضيًا- وقميص مهلهل يكشف من نُقره بعض اللحم الأسمر وينبلج من عند الصدرِ لتظهر ضلوعه واضحًة وعن الشعر فهو أشعثٌ منتشرًا فى الهواء ململماً لقاذوراتِه، يتحدث للصبية بكلامٍ غريب :

( أترون هذا الكلب هنالك – أشار على كلبٍ يعيش فى الحارة- إنه خبيث ... خبيث كالسرطان وإن إنتشر هَلَكَنا جميعًا، أنتم لا تعرفونه أما أنا فتعاملت مع كثيرٍ منهم، ألم تلاحظوا نبذ الكلاب الأخرى له؟!، وأقول لكم سرًا أنا أكره روث الكلاب، صغير لكنه نافذ الرائحة، هذا الكلب ...)


***

قبل أن أكمل ما قاله المجنون علىَّ أن أصف لكم هيئة الكلب؛ بيْد أننى أعرفه جيدًا فهو قديم بالحارة أما المجنون فإنها المرة الأولى التى أراه بِها. عن الكلب فهو ذى وَبَر برتقالي يجوب الحارة والشارع بحثًا عن الطعام وحسه بالشبع غير موجود، يُخرِج لسانه لاهثًا ويجر أوساخ الشارع فى ذيله وعن إهتمامه بنظافته الشخصية فهو منعدم ... ، ستبدو الشوارع كلها له واحدةً وبنو البشر عنده كائنات يحظر التعامل معها ويفضل تركها لأنها دائمًا ما ترميه بالأحجار والحصى والطوب الصغير، ولكن إن نَظَرَ له بنى آدم بتحديقٍ بلا رمشة عَلِم وقتها أن التحدي حان وعليه أن يتشرس قبل الأوان، ولكنه لم يهجم على أحد للحق؛ فكان بالجبن أقرب وللسلامة أطْلَبُ، ويحب أحيانًا ملاعبة صغار الحارة ولكنه يكره أن يربطوه بحبلٍ من ذيله ويشدوه وراءهم، كما أنه فى إحدى مرات الغَشم كاد يفقد قدمه اليسرى الخلفية نتيجة أن الأطفال كان يمسكونه من ذيله ويطوحونه فى الهواء فأرتطم مرةً بقوة بالحائط وكان صغيرًا بعد وبمعجزٍة لم يفقد سوى بعض الوبر وظهر لحمه عاريًا بلونٍ وردى ملوث بالسواد بعد أن فَقَدَ دماء جمة ...

وبقت أطفال الحارة هم الوحيدون أصدقاءه، حاول أن يعثر على الكلاب الأخرى ولكن المصير ينتهى لأحتمالين إما الفشل فى التواصل أو النبذ من الآخرين، فيعود خائبًا واهنًا للحارة ليصادق الأطفال الصغار . وعند العصر يتجه لأشجار الكافور والصفصاف المزروعة أمام بيت " السيد بسيوني" – هو البيت المقابل لبيت جدى - الذى وقف عنده المجنون يحكى للصغار - ليقضي حاجته ثم يرفس الرمال بظهر قدمه حتى تُغطى على الخراء الصغير .. سأعود لحديث المجنون الآن :

( هذا الكلب يأتى كل يوم ليضع خراءه هنا أمامي، طول الوقت، أدعى أنا عدم النظر لعينه فيتجرأ ويتشجع ويتغوط على الطينة الرملية ويدارى خراءه ويذهب !! أهناك أخبث من تلك الكائنات ؟! كالفاسدين من البشر تمامًا يتغوطون بفسادهم على المجتمع ويصرفوا الرمال عليها لتتوارى ...)

حينها دقَّ قلبي دقةً عنيفة، أتت زوجى للشرفة ونظرت لي بعمق، تريد قول شئ وتعجز، ولكني كنت منصرفًا بذهني تمامًا، وضعت كوب من الشاي أمامي ورحلت مرة أخرى بلا حديث .. أنصرف الصبية الصغار عن المجنون لما وجدوه متفوهًا بما لا معنى له –بالنسبة لهم- ولكني أصررت على البقاء فى الشرفة ومتابعة هذا المجنون الذي وقف أمام بيت "السيد بسيوني" بين الشجرتين (الكافور والصفصاف) كأنه ينتظر الكلب كي يتغوط، ظللت أنتظره ولكنه تيبَّس فى موضعه جالسًا القرفصاء على الأرض، يركض الأطفال وراء الكلب ويلعبون به لا معه، الوقت كان عصرًا لما دخلت الشرفة والآن توشك الشمس على الرحيل، تكلم المجنون بصوتٍ منخفض فى البدء فقال أحد الصبية ( حكاية كل يوم لا جديد )... يبدو أنه يقول كل يوم تلك الحكاية فلأسمعن :

( تالله إن الدنيا لفانية !، كنت الأول في الثانوية وألتحقت بالحقوق وكنت الأول، وعينت وكيل نيابة وكنت الأفضل، قضايا السرقات والتدليس والحنثِ بالعقود ... كلها لم تخرج من تحت يدي عبثًا، نقلوني للنيابة الإدارية، بدأت المشاكل، أجُبرت على أن التعامل مع قضايا الفساد يوميًا ولم أستطع أن أمسك شيئًا على ذوي روابط الأعناق الثمينة رغم أن زملاءي عثروا على أحبال الجرائم على مضض، مع مراعاة الأوامر العليا –النادرة- التى تقتضي بالتزحف وراء هذا –كما نشاء- وترك ذاك –كما لا نشاء- ! )

قبل أن أستطرد حديثه علىَّ التنويه بأنه كان فى حديثه يستخدم عربية فصحى دقيقة، رصينة الحرف، ومضبوطة التصرف، وبين الشجرتين وقف مُحركًا يداه وجسده تحرك محامٍ مجتهد فى بهو المحكمة، ولولا ما يلبس لكنت نسيت أنه مجنون .


( أحببت فتاة فتعاظمت المشاكل، وجدت الفاسدين كالسمك فى المحيط عددًا .. تضخمت المشاكل كجبلٍ لا نهاية لحجمه .. تالله إن الدنيا فانية يا عباد الرحمن ! ولما ذهبت للخطبة أكتشفت أن أبوها له قضية عند زميل فقال رئيسي : فلتنسْ أمرها يا صاح فمن يتلوث بالطمي فى مجتمعٍ متحيز كمجتمعنا لا ينظف بأي مسحوق !، كثرت قضايا الفساد المترامية على مكتبي لتصل لعددٍ بالاستعصاء يحصى، ودارت الأيام لأجد فتاة أخرى أولع بِها ولهاً وعشقًا وأذهب لخطبتها فأجد أبوها متسخ عن الأب الأول، شبهات بلا دليل أنَصِّفه بالفساد أم نحن الفاسدون؟ أعظوني يا قوم، صرت أشعر بأن الفساد للكل والكل للفساد، يمنة ويسرة على الطريق، طولاً وعرضًا، والتفاحة وإن عطبت فلا بأس أما الحصاد كله فتلك هى المشكلة، أضحت الحياة شاقة المحياة!، وكانت تلك أول مرة أفكر بها فى الإنتحار .. إلغاء الوجود، رؤية هذا العالمِ الآخر، لم أكن لأرتكب كبيرة من كبائر ديني، فإننى تحت حكم الضرورة وللضرورة أحكام، والله يغفر لمن يشاء، ولكن ...)

أكمل قصته ولن أطلعكم الآن عن البقية، ركضت على جدي منفزعًا وسألته عنه، فقال أنه أتى هنا منذ سنة تقريبًا وينام يوميًا أمام منزل "السيد البسيوني" وكانوا بالبدء يتطيرون منه حتى أعتادوا عليه وأحبوه فهو يصحو ويسأل العابرين صدقة بأسلوبٍ مخيف ولكنهم صاروا يحبونه ويعطفون عليه بجنيه أو إثنين فيذهب لمطعم "الشريف" ويعطي رجل البيع إياهم فيصرخ به " أنتظر على جنب ياض" ويجلب له سندوتشان بعدها كعادة كل يوم، ويكرر الفعل غداءًا وعشاءًا إلا إن أعطاه أحدهم طعام آخر !، إن شعبنا مضياف بعد كل شئ، فسألت جدي فى النهاية :

- كيف أنتهى به الحال للجنون ؟!

تعلثم قليلاً وهو يتجنب النظر لي وقال :

- أبدًا، كما قال فى قصته ..

أعطيت جدى نظرة حادة –لأول مرة- وقلت بنفاذ صبرٍ :

- قال فى قصته، أنه طُلِبَ للتحقيق ودار بعد ذلك أسبوع فى الشوارع حتى نسى معاد التحقيق فألتهبت قدماه وتورمتا وأرتحل فى الشارع كالمجنون ولكن الناس هم المجانين !

- هذا ما يقوله ...

- جدي .. لا تلف وتدور أرجوك..

- لماذا جئت اليوم هنا ؟!

- لرأيك .. لخبرتك بالحياة ؟!

- جواب خاطئ ..

- بالله عليك أغثني، أنت تعلم إننى وكيلاً بالنيابة الإدارية ومطلوب للتحقيق ولهذا أتيت هنا ... كيف بالله يحكى هذا المجنون حياتي ... كيف ؟!

- لا تسألني أنا، بل أسأله هو !! والأفضل أن تسأل الله .

- أهو مثلي ؟!، أهو موجود أصلاً أم أنا أتخيله ؟! أيها الجد العزيز .. إن لم تجبني سيطير عقلي كما طار عقله أرجوك أغثني .

- ألم يقل فى قصته أنه فكر مليًّا بالإنتحار وإنهاء الوجود ؟

- بلى .

- هل فكرت أنت فى ذلك ؟

- بلى .

- إذن فالفارق الوحيد بينك وبينه أنك حافظت على وجودك ورباطة جأشك أما هو فلم يُحافظ .

- ولكنه موجود، بالأسفل عند البيت المقابل لنا ... أنا رأيته ..

- ليس كل ما تراه موجود يا بني .. ومن يفقد وجوده بالحيا أشقى ممن يفقده بالموت !



***


ذهبت للشرفة مرة أخرى، وجدت الكلب يقترب من المجنون، ظهرت لعقلي حقيقة، كيف أمسك بالدليل ؟!، أتت زوجتي من ورائي، وبنبرة هادئة قالت مُعلقةً على رؤية الكلب :

- يعجبني فى الكلاب حريتهم المطلقة، يتزاوجون فى الشارع بيسر، يتغوطون فى أى مكان ..

- ولكن ... مهلاً عليكِ ... إن الكلب وإن تغوط لا يترك خراءه فى العراء ... !!!

- لم أفهم !!

- الكلب وإن تغوط !! ... لا يترك خراءه فى العراء ...


رحلت زوجتي ممتعضة الوجه بلا تعليق، كان المجنون واقفاً أمام بيت "السيد بسيوني " وبيده مجموعة من الحصى، كيف أُمسك بالدليل على الفاسدين إن كانوا يوارون فسادهم كما يخفي الكلب خراءه !

أتى الكلب لقضاء الحاجة أمام المجنون عند الشجرتين -كالمعتاد-، ولكن "المجنون" تصنَّع أنه سيلق حصى عليه وتحداه بنظرة نارية، فركض الكلب وهلع خائفًا للحارة بعدها تلقفه الأطفال - ليلعبوا به لا معه- والمحزن أن الكلب يريد قضاء الحاجة ولا يعرف .. يعود لبيت "السيد" فيرميه "المجنون" بالحجارة هذه المرة، فيهرع الكلب مرة أخرى، ويحاول أن يهرب من الحارة لقضاء الحاجة .. ولكنه لم يتعود قضاء حاجته فى الفضاء .. يصطخب الأطفال من حوله هنا وهناك فى دوائر، فتزيغ عينا الكلب وتدمع ويبدأ عويله الحزين الذى لا ترثى قلوب الأطفال له، ويعوى الكلب فترد عليه كلابًا أخرى بالعواء ولكنه لا يقتفى لها أثر، ويحاول أن يشم ولكنه يبدو أنه فقد حاسة الشم، وبدأ الوهن يجتاز فى كل جسده الضعيف، وأحس بأن النهاية وشيكة والصاخبون من حوله لا يهدأون، أمعائه تتقطع وبطنه تتمزق وفتحة شرجه مليئة بالفضلات، يئن ومن حوله الشياطين الصغار لا يتركونه ودون تعمد سقطت منه الفضلات على قدم أحد الصغار ... ليته ما فعل ! أمتعض الصغير وأحتقن وجهه وسط تصايح قرناءه عليه بالسخرية، فقام الصبي بمسك حجر ضخم متجهًا ناحيته ورماه بقسوةٍ على رأسه فتأوه الكلب وسقط ثم حاول النباح دلالة الشجاعة ولكنه لم يستطع، فرَّ مسرعًا للاطريق ولكنه فى الحقيقة لم يكن يتحرك بل كان يتلوى على الأرض طريحًا، فأمسكه الصبي مرةً أخرى من ذيله صائحًا : (سأعلمك التغوط على أسيادك يا أبن الكلاب ) وطوَّحه بعيدًا ليخرج من الحارة إلى الشارع فى منتصف الطريق مرميًا شأنه شأن الجماد أو روث الْحَمير، وللأسف أرتطم الكلب بشخص ما يسير فى الطريق وقد كان ينزف من جرحه السابق ورأسه أيضًا تنزف بشدة جراء ضربة الحجر ويبدو أنه كان للحياة مفارقٌ، لم أعلم إن كان قد مات أم لا .... !!

والمفاجأة أن الشخص الذى أرتطم به كان المجنون.. كان هو المجنون نفسه !!، أخيرًا عثر على مبتغاه ولكنه للأسف .. قد كان فى تلك اللحظة فاقدًا للعقل ...، نظر للكلب بلا معنى ونظر للصبي وكأنه لا يعرف ماذا سيفعل بِه ..!

لقد فقد عقله تمامًا ...

***

تصايح الصبية بالحارة، وبقى المجنون متسمرًا حتى رحل لينام أمام بيت "السيد بسيوني"، تأخر الوقت وعلينا العودة للمنزل، أعاد علىَّ عقلي المشهد السابق بطريقة مختلفة، الكلب يريد أن يتغوط ولكنه لا يترك خراءه فى العراء، المجنون نظر له ليمنعه من ذلك، المجنون يبحث عن مجدٍ زائل، والكلب تغوط فى النهاية على أحد أفراد الحارة بغير عمد، فظهر خراءه فى العراء وضرَّ الخلق، وحينها لقى جزاءه !! وسقط على قدم المجنون فى النهاية بسهولة، المجنون يبحث عن مجدٍ زائل ولكنه كما قال جدي .. فقد وجوده !



مصطفى سلامه
23-10-2011

العقبى للصابرين (3) - اليَقين (قصة قصيرة)


نهارًا في الخارج وقف الجنود بزيهم الحديدي وسيوفهم المغمدة في حالةٍ تتوسط القيظ والنوم، وفي الداخل عند ركن الغرفة الأسمنتية الأعلى؛ شعلة وحيدة تضيئ العزلة والظلام الممتد، وقف أحدهم بإزاره الأزرق وقال :

-         هذا عبث يا سيدي، أنت لا تعلم ما أنت عليه مُقبل ؟!

فقال العجوز ذي اللحية البيضاء:

-         بل هو الحق .. ولن أخاف من الموت .

-         هم يعدونك عدواً، مفسدًا، التاريخ سوف يتذكرك عابثًا، كيف تقبل ؟

رد آخر :

-         سنرشي الحراس ونخرجك من هنا .

وقال آخر بإزار أحمر :

-         بلى، وقد أتفق التابعين بالفعل مع الحراسِ .



وترددت فى الأنحاء " مرحى مرحى " .. حتى قال العجوز بتصميمٍ أصمتهم :

-         مم أهرب ومَنْ يحترم رجلاً هاربًا ويسمع له ؟! قُضى الأمر .



تلوَّت الشفاه إمتعاضًا وحنقًا، وحلقت فى الغرفة العفنة رائحة الموت القريب، وخرج التابعين باكيين على ما يوشك أن يحدث !

***



لم تكن الشمس قد تيقظت بعد، ولم يعشق في حياته سوى النهوض مبكرًا والتوجه إلى الشرفة ليلحق بالنسمة الصباحية التى تصاحب سبتمبر, جلب القهوة والجريدة وعدَّلَ من وضع الكرسى كي يشاهد وسط المدينة التى يتدافع فيها البشر بالمناكب جراء الزحام، أما شرفته فكانت هادئة، يتابع أسراب الحمام المحلقة، ويتطير من الغراب أعلى عمود النور " إياكم والتطاير" ولكنه كريه المنظر، يعبث بأفكاره، ثم يُخرج الجريدة التي ما عاد يشتريها إلا للكلمات المُتقاطعة .. وأول كلمة أفقية كانت " من خمسة حروف، عالم يوناني قديم أشتهر بفلسفته التى أعترف العالم أجمع بروعتها "

تُرى من هذا العالم، أو الفيلسوف، ومنذا الذى تُهمه الفلسفة الآن ؟! ولماذا يصعبونها على َّ يوميًا فى حل الكلمات المتقاطعة، مالنا نحن ومال التاريخ والفلسفة؟ فما حدث قد حدث .. ولكن مهلاً، إن كان العالم كله إعترف بفلسفته كان إذن من الصالحين فى عصره .. شامخًا رصينًا محبوبًا من الجميع ..

ترك  الإجابة إلى حين ...

***

في الشتاء القارص تَمشَّى بمنتهى الهيبة والجلال وحوله جنوده المحبين المطيعين، وصعد للمنصة ثم ألقى حديثه الذي ألهب الصدور والعقول، تقطعت الأيادي تصفيقاً وهتف الحاضرون بأسمه  .. وبقوا يصفقون على أثر خطبته ويتقاولون فيما بينهم بمميزاته ..



-         سيتذكر التاريخ هذا الرجل، سيغير من خريطة العالم .

-         إنه أعظم مَنْ ولدته امرأة، فليقودنا للأفضل ..

-         سينظف العالم من الأوباش وعديمي الفائدة

-         فليخلصنا من الأوغاد  ..

 قال أحد الحضور بصوتٍ جهير غطى على صوت مكبر الصوت :

-         أنت الأفضل يا سيدي ..



فهتف الحضور جميعهم وبحنجرة واحدة  " يعيش الزعيم " .



***

نظر من شرفته ليجد الغراب قد رحل عن عمود النور، ولمح أبنه يعبر الطريق قادمًا له، ما الذى دعاه للقدوم مبكراً اليوم؟!، إنه الجمعة يوم أجازته إذن، أجتاحت أبواق العربات أذنيه، وضايقه فشله فى العثور على أسم الفيلسوف، إثنان رأسي " زعيم يلقبونه بالسفاح لمسئوليته غير المباشرة عن مذابح الـ .... "



فكَّر بعقله قليلاً .. سفاح سفاح، ما أكثرهم هذه الأيام .. اللعنة عليهم!، ولماذا نتذكر السفاحين ؟ ألا يكفيهم إزهاق الأرواح ماضيًا .. سفاح سفاح .. مَنْ يا ترى ؟!



غلق الجريدة وأنهى قهوته على مضض، ثم ذهب ليفتح الباب .



*   *

دخل الأبن الشرفة ومسك الجريدة يطالعها، لم يكن كوالده يأبه للطيور والزحام والمدينة، بل كان يفصل كل شئ عن عالمه، أحتنق وتفجر غضباً من مطالعة الجريدة، أوغاد كثيرون يلوحون له فى آفاق الصفحات ولكن الشهرة كانت لهم ... هل هنالك من يحب هؤلاء حقًا ؟



دخل عليه الأب الشرفة بوجهه المجعد وشعره الأصلع قائلاً بسخرية :

-         ستصْلَّع مثل والدك، هههههه !

-         اللوم لك ...

-         أعطيني الجريدة لمْ أنه الكلمات المتقاطعة بعد .

-         الجريدة تصيبني بالإختناق ولكني سأقرأها وأعيدها لك .

فقال الأب بسخريته المعتادة :

-         سأتركها لك بشرط، أن تساعدني فى حل الكلمات المتقاطعة، فكلها معلومات تاريخية .

رد الأبن مازحاً :

- ألا يكفيك أصابتي بالصلع ؟؟

- ستساعدني إذن !

- لا بأس .



***



اليوم هو أحد أيام شهر سبتمبر، لقد نسيت التواريخ وفقدت الزمن ... كنت أصارع الظلماء وأرجو أن أصلْ للنهاية، النهاية فظيعة !، وصلنا لنهاية المقابر، الخفافيش تحلق فوقنا وهي آخر ما يقلقني ... أيجب علىَّ حقًا الدخول لهنا ودفن الوالد ؟!

رحمة الله عليك يا أبى ... تحسست صلعتي .. تلك هى الحسنة التى كلما نظرت لمرآة تذكرته بها .. كان رجلاً عظيمًا بحق ..



***

ما حدث فى يوم 23 سبتمبر ..



كانت الأم تُعْد القهوة لأخيها وبنتها اللذان تجمعا عندها فى البيت، لازالت بصحة جيدة، وجهٍ قليل السمرة وشعر ناعم لم يفقد حيويته وإن فقد سواده للرمادي ..



دخلت البنت عليها المطبخ وأمسكت بالكنكة من يدِ الأم المنهارة قائلةً :

-         لا عليك أماه، الموت علينا حق، دعي القهوة لي ..

قالت الأم بفمٍ مرتعش حزنًا :

-         المؤلم أن أخاكِ –والذي أعتاد أن يعيش معه- لم يذهب للمقابر ويجلس الآن فى البيت حالمًا متخيلاً نفسه أعظم الأبطال، أبني وأنا أعرفه، ساذج، تافه، حقير ... منه لله !



ندت عن البنت حركة من يدها دلالة الرثاء، ثم ربتت على كتف الأم قائلةً :

-         لا عليك أماه، قد يكون فاقدًا للعقل من كثرة الحزن ..

-         كيف يتسنى لنا أن نعرف دواخل قلبه !؟ سيفعل معي المثل ... والله أعلم ، ماذا لو مُتْ أنا وكنتِ أنتِ غير موجودة، هل يتركني أدفن فى العراء؟

-         مع الأيام أماه، مع الأيام يتضح لنا اليقين ونستطيع الحكم على الأشخاص .

-         ولكن كيف يتركه يدفن وحيدًا؟ أأذهب أنا منحشرة بين الرجال لأدفنه ؟

-         كما قلت يا أماه لكِ، علَّه مشتد من الضيق بحيث لا يحتمل، دعيه فى غرفته وستبين لنا الأيام كل شئ ألم تقرأي كُتب التاريخ؟!، نحن نظلم الواقع ولا نستطيع رؤيته ولكن الذكريات لا تكذب، العقبى للصابرين يا أمي ... العقبى للصابرين ..

-         وهل للبائسين صبرًا ؟!

-         وهل لهم غيره !

 2011/10/27
مصطفى سلامه

العقبى للصابرين(2)- الثائر (قصة قصيرة)


وضعت الكتاب على كرسى الصالون الأحمر الداكن بتأنى فقد أرتويت منه علمًا سكَّن نفسي وأشبعها، هو كتاب لفيلسوف أسباني أعجز عن نطق أسمه حتى وأكثر ما أدهشني فيه هو ثورة البطل على المؤلف!! ووجدت حس الكتابة يثور بداخلي –من العبث محاولة إيقافه- فقمت للكتابة رغم أننى عاهدت نفسي ألا أذكر قصة ذاك الرجل !! سأكتفى ببضعة أقاصيص وصلتنى عنه ... إن حكايته لجديرة بإن تُحْكَى وإلا ما جَدر شيئًا بالحكي !

* * *

رفل فى بنطاله القماشى الزيتي الواسع وقميصه الأصفر ذى المربعات الزرقاء والخطوط الحمراء الرفيعة
( وهو الزى الذى لا يحيد عنه بالكاد )، ويلاحظ عليه طوله الفارع وعرضه الواسع حتى إنك لترى من تحت هاذين الحذاءين السوداين العملاقين مدى ضخامة قدمي هذا الرجل، والوجه ... ياله من وجهٍ كبير! خاصةً مع هذا الأنف المفلطح وهذا الشارب الكثَّ أو شعره الأسود المنتظم للخلف دائمًا، فلما رأى التلاميذ أمامهم هذا الكائن العملاق وقفوا تحيةً واحترامًا فإذا به يقول :

-         السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أستاذ/ أحمد عبد الهادى مدرس اللغة العربية .

فردت على وجوه الأطفال الواجمة ذات الستة أعوام بالتحية لتشرح صدره فتشجع ليقول لهم :

-         رددوا ورائى أيها التلاميذ الصغار .

وبعد لحظة صمت أستطرد : ( سأدافع عن الحق وأدحض الباطل) .

وبعد أن رددوا وراءه غير واعيين للمعنى أكمل هو : ( الحروب أسوأ ما فى الوجود الإنساني ) .

وأخيرًا قال : ( لن أكون طماعًا أو أنانيًا !)

إن ذكر موقف كهذا ضرورى ليختصر الطريق ويفسر لكم الكثير عن ... أحمد عبد الهادى

* * *

وقف فى الشارع منتظرًا الأوتوبيس ذات يوم فعليه اللحاق بالدرس، إذ أنه يعطى دروسًا خصوصية للطلبة بقليل من المال، الحصة بخمسة جنيهات للطالب الواحد وإن جمعنا حصيلة مرتبه الحكومى على مرتبه الخاص بالكاد يصل لستمائة جنيه ولما نطرح منهم المواصلات يتبقى لنا ثلاثمائة ولأنه يدخر مائتان للزواج يتبقى فى النهاية مائة وذلك هو المبلغ الذى يطعمه وهو بالكاد يكفى إطعام دجاجة !!

أتى أول أوتوبيس ولكنه تلعثم فى خطاه مترددًا وأبى أن يلحقه ... إن المشكلة أن أحمد قد كان وحيدًا تمامًا فى دنياه ولم يقطع هذه الوحدة سوى متولى صديقه بالمدرسة الذى إنتقل لرضوان الله البارحة فكان يطارد أوتوبيس عدوًا حتى أقترب من الباب بالفعل ولكن نتيجة الزحام على الباب لم تستطع قدمه أن تستقر فأنزلقت لتدهسه العجلات دهسًا !! ولهذا تلعثم أحمد فى خطاه بقلبه الصغير المحطم الذى يرسل له الذكرى كلما فكر أو حاول ..

***



من كثرة الملل والوحدة نام عدة أيام ببنطاله وقميصه وحذائه المهترئ، وقابل سهاده على سرير آلامه بعذاب مستمر لا ينقطع، فكلما نام واته نفس الحلم .. يحلم أنه يموت ..

وحتى فى يومه العادى يرى نفسه يموت ... !!

لكم مرة مات وهو حيًا

***



سأحكى لكم الآن تلك اللحظة التى على أن أكتبها فقد رأى أحمد وجه أمه نضرًا منيرًا بين حجابه الأسود فجأة وأحس بأنفاس "وفاء" –حبيبته التى لم تحبه أو تعرفه- تقترب منه أخيرًا، ولاحظ أباه –الذى لم يره- من بعيد يرمى السنارة ليصطاد وأخيرًا تعرف على متولى بوجهه الضاحك على المقهى ... أحداث تتسارع ... ركض فتخطى عساكر الأمن المتشحين بالسواد ووقف أمام مبنى الوزارة الهائل فرمى اللوحة التى فوقها كُتِبَ : ( مُت حيًا فى عهدكم يا سادة فليحاسبكم الله وليسامحني) وأنسال الجاز على جسده بعدها فى رفق وأخرج الـ ......



فى هذه اللحظة سمعت طارقًا على بابي فتوقفت عن الكتابة مذعورًا فأى زائر يقطع النوم سوى زائرى الفجر المعرفين ؟!



لما خرجت من غرفتي لم أرى سوى ضوءًا أصفر ينير الصالون بخفوت ليظهر البلاط والباب الأبيض المتآكل طلاؤه، ففتحت الباب  ... رباه !!

إنه نفس ال ... ، شارب كث .. بنطال زيتي ... حذاء مهترئ ..، قال لى :

-         من أنت لتتدخل فى حياتى وتغصبني على الموت ؟!

فقلت متلعثمًا كالناطق فى حلمٍ سخيف :

-          ظننت ... ظننت أننى أصنع منك بطلاً يؤرخ ثورةً !

-         أوا تظن أنك بقادر أن تؤرخ ثورة كاملة عن طريق قصتى !! أنا مجرد شخصية من صنع خيالك، ثم إن الثورة ليست بقصة واحدة بل عدة قصص .. إنها إثنان وثمانين مليون قصة فهل تستطع أن تقصهم جميعًا ؟! والأجدر من هذا أن الثورة لم تنتهى بعد .

فقلت بنفاذ صبر عما يكمن فى صدري :

-         ولكني أعشق هذ          ه الثورات حقًا ... أعشقها وأردت أن أتكلم عنها .

-         العقبى للصابرين يا سيدي .. أكتب حينما ينتهى عقلك من الهضم ولا تتعجل .. العقبى للصابرين .



ودعنى بعدها وخرج من الباب كأى زائر، ولازلت فى حالة عدم تصديق مما حدث !



مصطفى سلامه (22-9-2011 )

لحظية .