| تاريخ الكتابة | 17-2-2010 |
| العنوان | حيرة |
| النوع | قصة قصيرة |
حيرة
ثوب مُرقع و به بعض النتوءات التى تظهر لحمه و بنطال زيتى اللون لم يخلو من البقع السوداء ، أما الوجه فكان مستطيلاً ذو شعر أشعث طويل و هناك لحية قصيرة تظهر فى الوجه ، و كل ذلك كان يدل بحق على موقفه من الحياة .
و لكنه كان يعاند كل قيم المجتمع فى الإهتمام بالمظهر و ظل ينظر للشارع أمامه و بجسمه طاقة لا نهائية من البهجة ، فما أروع الحرية !
فقد إنكسر القيد و إذ رأى طائرًا فى السماء محلقًا ؛ أجرى معه حوارًا خياليًا فيقول له : " لا فرق بينى و بينك بل هناك فرق .. فأنا أملك نفس إحساسك و إن كنت أنت مللت الطيران فأنا الذى سيعاودنى شعورك الأول عند بدءك الطيران ، فلا تطير هكذا متعاليًا لإنى أوفر حظًا منك ! " .
و دار بوجهه للوراء فرأى السجن حيث كان قابعًَا لشهور و نظر للإمام نظرة تعنى أنه سيتوقف عن النظر للوراء و لينظر أمامه فقط !
رحل عن الطريق و قضى يومه بحثًا عن شئ يفعله ، فهو ذهب للحرام مرة بسوء تقدير منه لموازين الحياة و لن يفعل ذاك مرة أخرى .. و الآن عليه البحث عن أى شئ يصوبه للحلال .. و لكن أين ذاك الشئ ؟ ، الأهل كلهم مختفيون و ربما لن يتذكروه إذا وجدهم و لن يجدهم ! ، أما الأصدقاء فهم من السوء و السوء منهم ! أيجلب للحاضر خطأ الماضى أم يبحث عن درب جديد !! فليبحث عن درب جديد كما أشارت له نفسه .
ظل طوال النهار يبحث عن عمل فى أى مكان ، مقهى أو فرن أو أى شئ و لكن يجب أن يجد عملاً و لم يستطع .
بدأ الليل يأتى زاحفًا بهدوء و بدأ الجوع يفعل نفس فعل الليل و بدأ الضجر و اليأس يقلدونهما .. !! فماذا يفعل ؟ أهل يركض فى الشوارع صائحًا " فلتجدوا لى حلاً أو لتذهبوا كلكم إلى الجحيم يا سكان الأرض ! " .
و فجأة رأى شابًا يافعًا لم يتعدى العشرين و كانت هناك فكرة تراوده و ظل طول النهار يمقتها و لكنه لم يجد حلاً آخر .. فذهب فى إتجاه الشاب و تمتم :
- خرجت لتوّى من السجن و أريد الحلال و لم أجد عملاً حتى الآن فهلا تساعدنى بإى شئ حتى أستطيع العمل و لو ماسح للأحذية .
فقطب الشاب فجأة و أخترق الفزع صدره فقال و هو يمضى مسرعًا متخذًا حذره :
- الله يسهلك .
و الحق أن الشاب كان محقًا فى فعله – بل كان رد فعل - فحتى الرجل لم يترك له مجالاً ليساعده بذكره كلمة ( سجن ) ، فقط ترك مجالاً ليرعبه !
و تكرر الموقف مع كثيرون فهناك من أعطاه مبلغًا بسيطًا من المال و لكنه كان يكفى قوت يومه .. و كان الناس يعطونه بهدف الخوف أو الهروب من الموقف ، و عندما توقف عن ذكر كلمتى ( سجن أو حلال ) و ذكر كلمات الشحاذة المعتادة أعطاه الناس الكثير حتى شعر بإن الشحاذة مهنة تمتهن و لكن أيقضى مستقبله هكذا ؟ فأبى أن يفعل ذلك حتى و إن بات حظه عسيرًا فى إيجاد عمل .
ظل أيامًا هكذا حتى بدأت تأتيه أفكار غريبة .. فما هى فائدة الحرية ؟ أيستغنى عن كرامته ليعيش شحاذاً ؟ فرد على نفسه " لا ، لست كذلك " أخلقه الله كى يشحذ من الناس أو يسرقهم " لا " .
إذن ما هو الحل !
و ظلت القضية معلقة فى رأسه لا تفارقه حتى وجد دواءه فى العودة للسجن ، و ما المانع ألم يصبح منزله ؟ ألن ينام على سرير على الأقل بدلاً من الشارع !؟
فأشترى مطواة محدثًا نفسه : " لا أنوى إيذاء أحدًا كالسابق و لكنى أريد العودة للسجن ، فإن كان الجميع يفضل الحرية .. أنا الذى سأفضل القيد لعله أفضل بكثير من الحرية " .
و ظل يمقت الزمان و الظروف فى عقله .
مصطفى سـلامه
17-2-2010
17-2-2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق