هلوسات ملل
أعدت نظارتى لوجهى .. ها قد إعتدلت الصورة مجددًا ، فوجدت وجهين يطالعونى بنظاراتهم هم أصدقائى ، كنا فى شارع باهرًا للعيون .. فأضواء المحلات تلمع كالنجوم فى ليلة صافية و الناس يعطونك شيئًا من الونس يود قلبك أن يستمر أبد الدهر . و الليلة كانت ناسمة لا هى بالباردة أو بالحارة فى فصل الربيع . أكان يومًا رائعًا ؟ كلا لم يكن فكنا نسب الملل جميعًا و نتسائل ماذا نحن بفاعلون ؟!
ظللنا نمزح معًا و كلنا ملل من الحياة ، لعل المزاح يطعن الملل فى صدره و لكن لسوء الحظ دائمًا ما يكون الملل أقوى بكثير .
و فجأة رأينا مشهدًا غريبًا !
فى حين أن الليل قد أوشك على الإنتصاف باعثًا يومًا جديدًا رأينا فتاة تقف فى الطريق المقابل لنا ، قد يكون الكلام حتى هنا عاديًا و لكن فى هذا الوقت أتت موجة من البرد و تعودنا بسبب الأيام الماضية أن يأتى البرد بحركات فجائية لذا فأخذنا إحتياطتنا بمعاطف أو قمصان طويلة الأكمام أما هى فكانت ذات زى صيفى مما يثير شيئين فى هذا العالم .. الرجال و الشبهات .
و مما يذكر أنها وقفت بإزاء الشارع و ليس على الرصيف لتحتمى - و لو قليلاً - فى لمعان أضواء المحلات من غزل متوقع ، فتحرك فضول كل من فى الشارع و تحولت جميع الأعين نحوها مشيرة بسوء أنها من فتيات الليل و كل ما تنتظره سيارة فتتفق على سعر و ترحل كما رحل غيرها !
فعبر ثلاثتنا الشارع بدافع الفضول لنرى إن كان الظن بها صائبًا أم خاطئًا ؟!
و رأينا سيارة تقف أمامها متغزلة فيها فقلنا فى سرنا ( لعلها النهاية المحتومة ! ) و لكن الفتاة لم تتحرك و أدارت وجهها ، و تكرر المشهد و ظهرت كافة أنواع الضيق فى وجهها .
حتى رأينا شابًا يقترب نحوها و بدأ يحدثها و كانت تتلفت حتى لا تنظر فى وجهه أما هو فكان مبتسمًا بوقاحة . و نحن من بعيد نراقب الموقف و ننتظر معرفة النتيجة ، بينما هى فإختفت علامات الضيق لتظهر بدلاً منها علامات السخط و الشاب لا يزال يتفوه بكلمات فى أذنها و يقترب منها فتبتعد و وجدنا آخرون ينادون عليه من بعيد ، هم أصدقاءه لا شك ، حتى ملّ الشاب عندما صاحت فى وجهه فرجع للرصيف و ظل واقفًا مع أصدقاءه ، أما هى فظلت واقفة لا تتحرك .
و بجانبها كانت هناك فتاة أخرى محتشمة و لكنها كانت دميمة و لم يلتفت لها أحد .
نزل مرة أخرى الشاب إلى الشارع ليحاول مرة أخرى مع الفتاة و ظلت هى مقطبة الجبين لا تتكلم حتى صاح هو فى الفتاة الأخرى المحتشمة " إقنعيها أنتى ! " فإبتسمت و ترجلت بعيدًا شيئًا فشيئًا عن مرمى العيون كأنها كانت تنتظر النتيجة مثلنا و لكن الفزع ساورها لصيحان الشاب بها ، إنتقل الشاب من الحديث مع الفتاة إلى الهمس و من بعيد رأيناها تصدر زعيقًا رقيقًا ناحيته ، حتى يأس الشاب و عاد لإصدقاءه مرة أخرى .
و رفعت هى جوالها لإذنها لتتكلم فى حركة – بدت لنا – أنها تمثيلية و قد بدا واضحًا أن أحدًا لا يرد عليها .
و أخيرًا سارت للإمام و أما نحن فمللنا و لكن لم تنام الشكوك بداخلنا ، فقررنا عبور الطريق و رحل الشاب و أصدقاءه مختفيين عن عيوننا ، و ظننا أن الفتاة إختفت هى الأخرى و لكن وجدناها على مسافة ليست بالقريبة على الجهة الأخرى تقابل شابًا آخر من الواضح عليه أنها تعرفه و من بعيد سمعنا تعنيفًا حادًا منها إليه ، و أدركنا كم نحن مخطئون ! و أخذوا يتمشوا سويًا للخلف حتى عبروا من أمامنا مجددًا و لكن فى الجهة الأخرى ، ثم إستقلوا حافلة مارة .
و بينما كل واحد فينا يراجع حساباته لمحنا الشاب و أصدقاءه قادمون نحونا صادرين أصواتًا عجيبة فى الشارع فتقدموا إلينا و قد أدركوا أننا كنا واقفين بجانبهم عندما غازل الشاب الفتاة من دقائق حتى قالوا مازحين " ما أحلى أن تكون سكرانًا و تخدع الناس ! " و بلسان سكران غمغموا بكلمات لم نفهمها و إختفوا مرة أخرى .
بقلمى / مصطفى ســلامــه ..
أنهيتها فى 13-5-2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق