وحينما دبّ بقدمه خارجًا من الحافلةِ لوسطِ المدينة رأى حياة أخرى غير تلك تعود عليها، حياة جديدة، غريبة، مثيرة للفضول .
الحرُ كان فى كامل ِقواه والشمس دائرةً بيضاء إن نظرتُ لها بعينك ستدمع، والناس فى حركة وصياح دائم، والأتربة تجوبُ المنطقة مع الحرِ ليعذبكَ العرق مع السخونةِ، بائعُ العرقسوس بإبريقه الزجاجى الذى يحمله وراء ظهره وشكله الذى يذكرك بالأتراكِ ... إنها المرة الأولى التى أراهُ فى حياتى ! فيصب من إبريقه الكبير عصيرًا بارد ليهدئ من روعِ الخلق ويدغدغ رئتان تحتاجان للراحة .
والفتيات المحجبات اللواتى يدرن فى الشوارع باحثاث عن الملابس الرخيصة التى يبيعها الجوالون، وذات الأمومة المستحدثة التى تحمل إبنها على كتفها بغريزة فطرية باحثًة عما تريد، والمبانى الشاهقة قديمة الطرازِ أو حديثة المعمار فما الفارق؟!
والمجانين -يالهم من كثرة- يدورون ويلتفون لأجلِ مجهول لا تعرفه، وتلك التى ترتدى أسبالاً باليةً وقذرةً بوجهِهَا الأسمر وتمتم أو تغمغم بما لا يُفهم من الكلامِ .
وفى النهاية جائت لى واحدة من المتشحاتِ بالسوادِ، كانت تمرُ على كل من قبلىِ فتهدهد على كتفه بيدها السمراء الخشنة المجعدة وتقول شيئًا فترحل، أثارت فى الفضول، ترى ماذا تقول هذه المجنونة؟! إنتظرت فى مكانى، جائت ناحيتى وبالفعل هدهدت كتفى وقال لى بوجهها الأسمر المُغطى بالحجابِ الذى ترى به طمى النيل مُختبئًا بين معالمِه :
- كانوا واقفين زيك كده وأفتكرهم ربنا .
كم كنتُ صغيرًا وقتها، ولكنها كانتُ المرةَ الأولى التى أفُكر بها فى حقيقةِ ظلت تُؤلمنى وقتًا طويلاً !
~~~
نتاج: جنون لحظة
بقلم/ مصطفى سلامه
بقلم/ مصطفى سلامه
2011/04/25
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق