مهامه اليومية يعرفها جيدًا ، عمله ممل لأقصى الحدود ممتع أيضًا بلا شك ، ممل لأنه يمسح الأرض بأسفل حذائه طول النهار باحثًا عن الأسامى و لعناوين، مسلمًا الطرود مستلمًا التعبيرات من أصاحبها، وفى إستلام التعبيرات متعة .. ، يالها من متعة .. و لكن هذا الطرد ..، هو الأخير له فى هذا اليوم فأراد أن تكون المتعة فى أقصاها، أجلّه للنهاية لشعور خاص يمتلكه - أو حاسة خاصة - فحينما يرى أسم الطرد و العنوان و مظهره يدرك أن به شئ خاص .. ، موهبة لم تخلق لنا بل لهم ..
لسواعى البريد .
- هل هذا منزل مدام / نور عبد الحميد؟
هكذا سأل و كان الجواب بالإيجاب ، فسار و صعد للدور الثالث .. العمارة مظلمة يكاد يصدق بإنه يخطو فى كهف و ستفترسه الخفافيش التى تنبثق من الأركان .. ( تيك تيك تيك ) هكذا دق براحته على الباب حيث وجد أن الجرس لا يعمل ، و أستمع لزقزقة من الباب و ست عجوز ظهرت أمامه و قالت : أىّ خدمة يا بنى ؟
- أنتى نور .؟؟
هكذا سألها فأجابت : ( نعم ، من أنت ؟ (
- أنا ساعى البريد يا أمى ، هذا الطرد لكِ ، شكرًا .
ثم وقف لحظات ليلاحظ الإنفعالات الناتجة من هذا الطرد - كان مصيبًا و لا شك - ، سيظهر الآن إنفعال جديد ، شئ ما يُضاف إلى مجموعة الإنفعالات التى يخزنها فى صندوق من صناديق عقله ، بالفعل ، هاهى تبتسم .. ، هيّا إفحصى الإسم ، أدارت بالفعل الطرد و فحصت الإسم ، إنها ترسم تقطيبة ، يداها تهتز و ترتعش ، من الواضح أن قلبها يرتجف كطفل صغير رأى كلب ، سيُغمى عليها و لا شك ، تحاول إمساك أعصابها قبل الإفلات ، أغمضت عينيها ، أخذت شهيقًا و زفيرًا يسمعهم من فى أسفل المبنى و هى تفتح عينيها ماذا ستقول ؟ يا إلهى .. تضع يدها الممتلئة بالتجاعيد و النقط السوداء على فمها و ....
تُغلق الباب .
***
تعودت أن تجلس على كرسيها فى رخاء و تأمل فى هذه اللحظة من اليوم ، كان آخر ما تتمناه هو ضيف ثقيل ، أو زائر ، أو حتى بائع الحليب ، فكم تعشق الجلوس على كرسيها المهتز و تتأمل فى الدنيا ، لماذا ؟! ، هكذا تسأل نفسها .. لماذا تركنى و ذهب ليسافر ؟
" يجب أن أكوّن نفسى "
و لماذا يا بنى ؟ كنا مُرتاحين هنا مع بعضنا ، الوحدة .. يالها من كلمة تمر من حلقها كالشوكة ، إن ماتت تعفنت و لن يدرى أحد بها قبل مضى سنين ، هكذا كانت تظن ..
و هذا الذى سافر و تركنى ، و إنقطعت أخبـاره .. كيف حاله ؟ كل ما أريده هو عينيه ، ألم يستطع أن يترك لى شيئًا من أثره أنظر فيه ، و لا حتى صورة .. لمّه ؟!
يكفى النظر لعينيه من وقت لآخر لتشبعنى أسبوعين بحالهم يسافر بعدهم كيفما شاء و يعود بعد أسبوعين يعطينى الجرعة .. ، ألم يفهم كيف يتهشم قلب الأم إن غاب أبنها عنها ؟!
أين هو ؟؟! ، فجأة قُطع حبل أفكارها و تأملاتها حيث سمعت طرقات على باب المنزل فسارعت إلى رؤية من الطارق ، وما أن فتحت الباب إلّا ووجدت ساعي البريد - الذي كادت أن تنسى كيف يبدو -واقفا ً وبيده طرد ، سألها إذا ما كانت هي نور ، وحينما أجابته بأنّها هي ؛ سلّمها الطرد وانصرف وبقيت هي تتطلع إلى الطرد في فضول ...
نسيت منظر الساعى أو ماذا قالت له ؟ و نسيت ما قاله لها ، قرأت ما بهذا الطرد و كان كل حرف به كنصل السكين على عينها يقطعه إربًا و يجرحه أخذت تبكى و تنتحب فى البداية ، و لكنها لم تحتمل الوقوف و شعرت بشئ أسود يتجه ناحيتها ببطئ و خمول فإنتاباها حالة غريبة من الفزع ، شعرت بتجمد أطرافها تمامًا و تصلبها و ..
سقطت مغشية عليها .
***
تريث أمام الباب طامعًا فى المزيد ، هناك شئ مميز حول هذا الطرد بلا مفر ، أنتظر لمزيدًا من الإنفعال الذى يعشقه حتى سمع أنين و صوت سقوط ما على الأرض ، دق على الباب مجددًا ، فلم يستجب أحد حتى علم ما لا مهرب من تصديقه ، نادى الجيران ليفتحوا الباب بين عتمة المبنى ، و ما إن فتحوا الباب حتى وجدوا عجوز نائمة على الأرض ، جسوا النبض و الأنفاس .. ، لم تمت بحمد الله لم تزل حية ..
يا ترى ماذا حمل هذا الجواب على صدره ليكون له هذا التأثير ؟ ، لم يشئ ساعى البريد أن يعرف ، يكفيه رؤية الإنفعالات أما معرفة القصص و ما بداخل الجوابات ليست هذه بمهمته ، قرر الرحيل لمنزله ، الوقت عصرًا و غدًا يوم متعب .
بقلم / مصطفى سلامه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق