إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 20 مارس 2012

كُشك خليل (قصة)

تاريخ الكتابة
14-2-2009
العنوان
ـْـْـْـْـْ[◄ . . . كــــــشـــك خــــــــليــــل . . . ►]ـْـْـْـْـ
النوع
قصة






الفصل الأول : ( و فجأة )

ينهض من على كرسيه متجهًا إلى الحمام و يعود مرة أخرى إلى غرفته حيث لم تحمله قدماه إلى أينما يريد أن يذهب ، فيستلقى على سريره بهدوء و هو حتى لا يُفكر فى شيئ .


صباحًا ينهض من سريره و يلقى نظرة بطيئة على غرفته المليئة بإعقاب السجار و قارورات الخمور الفارغة بكافة أنواعها فيُلقى نظرة على علبة سجائره المتواجدة بجانب سريره .. فلا يستغرق ثوانى حتى تجد سيجارة جديدة فى فمه البائس فيشعر بالسعادة الكاذبة حين يأخذ شهيقًا من العوادم و ينفث الدخان الملوث .


بعد قليل يحاول الشاب خليل الوردانى أن يتذكر .. يتذكر حالته قبل وقوع الواقعة .. يتذكر حال نهضته من على سريره من قبل و يقارنها بحاضرها .. فيسأل نفسه بضعة أسئلة بلا جواب .


يتذكر خليل قبل ستة أشهر ما حدث فهو لم ينسى بعد و لن ينسى أبدًا فقد كان جالسًا وحده بالمنزل حتى طرق شخصًا الباب فنهض خليل من على الطاولة حيث إعتاد أن يُذاكر دروسه عليها متسائلاً من يطرق الباب فى هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟


فتح خليل الباب فوجد عمه و هو عبوس الوجه يحاول إخفاء دمعته فتارة ينجح و تارة يفشل .. فجلس مع خليل فى الصالون و ظل صامتًا لبعض الوقت كأنه يُرتب كلامه و يصوغه فبدا عليه الحيرة و الإضطراب حتى قال خرجت منه كلمات " لقد كان حادث أليم " و عندها إنتهى حديث الرجل و رحل عن المنزل و عند عتبة الباب قال " كل العائلة بجانبك ، فقط إن أردت أى شيئ أى شيئ إتصل بى " .


لم يكن الأمر سهلاً أبدًا على خليل .. فأخذ بعض الوقت ليستوعب .. كان كالحالم لا يصدق نفسه .. لا يصدق أنه بينما كان يجلس و يُذاكر دروسه مستعدًا لإمتحان البكالريوس توفى كل أفراد أسرته و هم فى إتجاههم صوب بلدهم الأصلى .


البارحة إحتفل خليل مع أفراد أسرته بإتمام عامه الواحد و العشرون ليجد نفسه وحيدًا بعد هذا الحادث الأليم .


لقد ورث خليل عن أبيه ثروة هائلة لم يشعر بفائدتها فالوحدة التى كان يعيش فيها تجعله يتمنى أن يكون فقيرًا و لكن و معه الونس و أى ونس أفضل من ونس الأسرة .. بعد الحادث ظل خليل وحيدًا حزينًا يفكر كثيرًا .. يُفكر فى مشهد عائلته و هم فى الجنة ، يفكر فى والده و والدته هل ماتا راضيين عنه ؟!


يفكر فى الخطوة التالية بعد أن فاتته إمتحانات البكالريوس و إنشل تفكيره عن الدراسة .



الفصل الثانى : ( ليت الحوائط تتكلم )

إنتقل شلل خليل الفكرى عن المواد الدراسية إلى شلل عام فى التفكير فلم يَعد خليل يفكر بعد الآن إلا لدقائق معدودة فى اليوم فكان يبدء يومه و ينتهى بدون أن يشعر ، إذا سألته فى أى يوم نحن لن يجيبك .. إذا أردت أن تعرف منه الوقت سيتفوه ببضع كلمات غير مفهومات فلم يكن يأبى لكل ذلك .. بالأحرى لم يكن يأبى لشيئ فى الأساس .

الوحدة تُعلم الكثير سواءً أشياء سلبية أو إيجابية و لكن المؤكد أن اليأس و الإحباط يعلموك أشياء سلبية و يجبروا الوحدة على تعليم كل ما هو سلبى و لهذا إتجه خليل للطريق الذى لم يكن يتخيل أحدًا أنه سيسلكه و حتى خليل نفسه إختار الطريق بدون أن يشعر .

حاول النسيان و كأن شيئًا لم يحدث فأستخدم الخمر و المخدرات لعل فيهم ملاذه الذى يبحث عنه و لعلهم يسكنوا أوجاعه النفسيه و لكنه لم يكن يدرى أن بذلك يُسكن عقله فقط .. ؟!

أصبح خليل ينسى و لا يتذكر ، يبكى على الأطلال دائمًا فكيف كان حاله سابقًا و كيف أصبح ؟!


يعيش وحيدًا فى المنزل و لا يعرف الخطوة المقبلة .. لقد طالت وحدته حتى وصلت لستة أشهر .. ، فكر خليل خلال هذه الفترة كثيرًا أن يتصل بأصدقائه أو أقاربه و لكن عالمه الإدراكى صور له ذلك بإنه لن يكون ذى معنى و بلا فائدة .. فإبتعدوا هم عنه بدورهم .. فظل خليل وحيدًا لا يكلم أحدًا و الصمت علامة مميزة له .. يتمنى أن يتكلم مع أحد حتى و لو كانت الحوائط .




الفصل الثالث : ( و أخيرًا أدرك ! )

جلس خليل على كرسيه يمسك فى يمناه زجاجة خمر و فى يسراه سيجارة و قد برع خليل حينها فى التفكير فى اللاشيئ ، و ثنى يداه اليمنى و أتجه بها صوب فمه ليرتشف ما تبقى من زجاجة الخمر فإذا به يجد بضع القطرات تنزل و لا ينزل بعدهم شيئًا فرمى الزجاجة و ذهب ليبحث عن أخرى فلم يجد .

إتجه خليل نحو المكان الذى وضع به المال الذى ورثه عن والده و باقى أسرته .. فكانت الصاعقة .

وجد خليل أنه لم يتبقى من المال إلا قليلاً .. فربما يعيش بهذا المال شهرًا أو شهرين قادمين على نفس الحالة و لكن ماذا و بعد ؟

لم يفكر خليل كثيرًا فقرر أن يأخذ ما يحتاجه من المال الآن و ذهب كعادته للحصول على مغيبات عقله و رسم لنفسه كثيرًا من الحجج غير مباليًا لوضعه المادى .

قرر خليل فى اليوم التالى أن يقوم ببيع مصانع والده ( المغلقة ) بما فيها و بعض الممتلكات الأخرى ليصرف على مغيبات العقل .. فوجد فى ذلك الطريق الأنسب .

و فى إحدى الأيام إستيقظ خليل و كعادته مسك السيجارة و أشعلها و بدء تفكيره ينطلق معها ، و كان غريبًا حقًا أن يُعد كوبًا من القهوة فى الصباح .

بدأت نبضات خليل تزداد كانت أطول مدة يُفكر فيها منذ مدة .. فوجد أن ما تبقى لديه من مال أصبح الآن رقمًا صغيرًا بالنسبة للذى تركه والده له ليورثه حتى بعدما باع المصانع .

لقد شعر بمأزق حقيقى ، و بدء بالذهاب فى الطرقة المؤدية إلى المطبخ و العودة واضعًا كلتا يداه على رأسه خائفًا من الإعتراف بالحقيقة .. الحقيقة التى خبأها عن نفسه قبل أن يخبأها عن الأخرون .

لم يمضى كثيرًا حتى ترقرت دموع الندم من أعين خليل ذلك الشاب المجتهد الذى أصبح فى حالة يُرثى لها ، بكى خليل بحرقة مثل بكاء الأطفال بصوت عالٍ .

ذهب للإستحمام فخرج و رمى كل قارورات الخمر الفارغة الواحدة تلو الأخرى .. و رغم أنه لم يتوقف عن شرب السجائر و لكنه وعد نفسه بإيقاف هذه العادة السيئة .

أدرك خليل حينها أنه فى مأزق حقيقى فلن يكفيه هذا المال إلا لبضعه أشهر و من الصعب أن يُكمل تعليمه ليبدء العمل بعد التخرج .. و من المستحيل أن يجد وظيفة مناسبة تلاقى طموحه بشهادة الثانوية العامة ، فشعر باليأس و ضرب الحائط بيداه بعزم ما فيه من قوة .


الفصل الرابع : ( النور )

أصبحت الآن الأمور قاتمة فخليل لا يدرك الخطوة القادمة فليس امامه سوى العمل بإى وظيفة كانت و لكنه أراد شيئًا غير ذلك ، حيث فكر خليل فى حلمه القديم بإن يصبح رجلاً للأعمال يساعد فى تنمية بلاده و يحقق لنفسه شيئًا .


فإستلقى على سريره و أخذ يحلم صاحيًا و يتخيل مشواره و يكتب قصة حياته التى يحلم بها بعقله و إذا به على هذا الحال فسمع آذان الظهر فتوضئ و إتجه إلى الصلاة فى الجامع و بعد الصلاة أستغفر ربه عن الفترة الماضية و دعاه بإن يحقق له حلمه و يهديه دائمًا إلى الطريق الصائب .


إشتعل الفكر فى عقل خليل فأصبح لا يُفكر فى شيئ نهارًا ليلاً سوى فى حلمه و كيفية تحقيقه و الوصول له حتى جاء بقرار جرئ و هو أن يبدأ بمشروع صغير و هو مشروع " كشك " و وضع له البدائل حيث إن فشل فإنه لن يخسر سوى المحاولة .. و يمكنه حينها البدء فى العمل بإى عمل يدوى أو يلجأ للأقارب فالمؤكد أنهم لم ينسوه ، و لكنه كان واثقًا بإنه مهما حدث فإن هنالك طريق يؤدى إلى الحلم .


و لرغبته فى خوض التحدى مع النفس قرر البدء فى المشروع سريـعًا .



الفصل الخامس : ( النظر إلى الأمام )

نظر خليل إلى " الكشك " الذى أصبح يمتلكه نظرة سعادة و إفتخار بشيئ صغير .


و لكنه لم يستغرق وقتًا كثيرًا فى السعادة فبدأ بالتفكير فى الخطوات التالية من أول يوم فكان طموحه يحدثه دائمًا و يحثه على المواصلة .


عمل خليل بالكشك ما يزيد عن الأثنى عشر ساعة فى اليوم و قضى بقية اليوم بين الورقة و القلم ليكتب الخطوات القادمة أو البحث عن الجديد فى السوق رغم صغر مشروعه إلا أن خليل كان يمتلك عقلاً يفوق الكثير من العقول الكبيرة .


كان دائم صنع الأفكار الغريبة و تنفيذها فهو يدرك ما يريد المستهلك ؟


بعد فترة ليست بالقصيرة من نجاح المشروع إمتلك خليل ما يجعله يتوسع فيه و لكن قرر أن يصبر و لا يتسرع فكان يدرك متى تكون الخطوة التالية .


أحب خليل الكشك بطريقة غير طبيعية و رد له الكشك المحبة فقد كان يشعر خليل بإن هذا الكشك له الكثير من الأفضال عليه فهو من جعله يقوم من الظلام و هو من جعله يتحرك للأمام و هو من سيجعله يواصل .


مرت الأيام و الناس تزيد و الإيرادات تطغى على المصروفات و الكشك لايزال فى مكانه حتى قرر خليل أن يفتتح محلاً متوسط الحجم يبيع فيه أيضًا ما كان يبيع فى " الكشك " ، و أطلق على المحل نفس الإسم " كشك خليل " و لم يجلس فى المحل بل كان يتابع العمل بدقة هناك فقط و لكنه كان يجلس فى الكشك .


كان خليل دائم التفكير فى التطوير فلم يكن يبيع فقط السلع العادية بل إنه يبيع بجانب السلع العادية سلع بسيطة من صناعته خاصة به فقط ، فكان شعاره أن ينظر دائمًا للأمام ولا يثبت أو يعود إلى الوراء .



الفصل السـادس : ( الحلم )

و تمضى السنوات فالناظر لأحوال خليل يجد أن الرجل فعل المستحيل بالفعل فالسنوات تجرى و الآن شاب العشرينات أصبح رجلاً فى الستينات من أكبر رجال الأعمال فى العالم .


لقد تحقق حلم خليل و أصبح يمتلك مؤسسة ضخمة تسند الإقتصاد القومى ، لقد تعب خليل حتى أصبحت مشروعاته منتشرة داخل مصر و أخذ وقتًا كثيرًا لكى تنتشر أيضًا خارج مصر .


الطريف فى الأمر أن خليل لم يستغنى عن الإسم الغريب فكان أى مشروع يفتتحه يطلق عليه " كشك خليل " ليحلق الأسم عالميًا بعد ذلك فكان أسمًا فريدًا من نوعه يجعل الجميع يتسائل عن سره البعض لم يكن يصدق بإن ما وراء هذه المؤسسة هو " كشك " .. و على اى حال فغرابة الإسم ساهمت فى إنتشار المشروعات سريعًا و على الرغم من أنه ليس إسمًا إعتياديًا و لكن عند إنتشاره أجبر الإسم الناس على أن يكون إعتياديًا .


الطريف فى الأمر أيضًا بإن خليل لم يستغنى عن الكشك بسهولة .. فإنتقل الكشك إلى رجل فقير يديره و ينتفع به و لكن لاتزال الملكية إلى خليل .


أصبح الآن لخليل زوجة و أبن وحيد حيث إستطاع خليل أن يظفر برفيقة عمره وسط مشواره مع الكفاح .


الآن أصبحت هنالك مصانع خاصة بخليل و مراكز تجارية و أسواق تجارية و محلات و مطاعم كلها تحمل نفس الإسم " كشك خليل " و قد إحتاج ذلك لبعض الشركاء و كثير من الجهد و التعب .


الفصل السـابع : ( فى العمل و فى البيت )

إتبعت مؤسسة ( كشك خليل ) نظامًا بيروقراطيًا فى الإدارة ، كان يمتلك خليل غالبًا القرار النهائى فى كل جديد يخص المؤسسة حيث كان يمتلك أغلبية أسهم المؤسسة بـ 49% بينما كان يشاركه ثلاث شركاء هم سعيد سليم يمتلك 29% و جايمس شيبرد يمتلك 12% بالإضافة إلى بين لينكولن يملك 10% .

كانت تسرى المنظمة بنجاح و تزداد شعبيتها يومًا بعد يوم و ظلت حالة النجاح .

و فى لحظة ما شعر خليل فجأة بقلق ينتابه و هو فى العمل و ظل قلبه يخفق و حينها دق باب مكتبه و دخل سعيد سليم و ظل يحدثه حديثًا وديًا عن أحوال المنظمة و عن غير أحوال المنظمة فلم يكن سعيد سليم فقط ذلك الشريك بالعمل بل كان صديقًا وفيًا رفيقًا للكفاح .

رحل سعيد عن المكتب و ظل القلق يساور خليل فأصبح شارد الذهن سارحُُ مع خياله طوال الوقت يفكر فى أكبر مخاوفه و يزيد من قلقه تخيله لما سيحدث إذا حدث ما يقلقه .

عاد خليل إلى بيته فى نفس اليوم و بدا عليه الحيرة و إذا هو على مائدة الطعام لاحظت زوجته بتغييره و شعرت بإن شيئًا يقلقه و يشغل باله و لكنها سكتت و لم تحرك ساكنًا فى حينها .

بعد قليل دخلت زوجة خليل عليه مكتبه فوجدته يكتب مذكراته و عندما لاحظها خليل قام بإرجاع المذكرات إلى درج خاص بالمكتب فقط يضع به مذكراته فأغلق عليها بمفتاحه فخلع نظارته و ملس يديه على وجهه و نظر إلى زوجته ، لم تنتظر زوجة خليل كثيرًا فقالت " ماذا يقلقك ؟ " فرد خليل " فقط مشاكل بسيطة فى العمل " . أدركت حينها الزوجة إخفاء زوجها للحقيقة فهى تعلم جيدًا كيف يخبرها بمشاكل عمله و كيف يبدو حينها و لكنها لم ترد أن تتجادل معه فأرمقته بنظرة الغاضبة و رحلت عن الغرفة .

بعد قليل دخل إبن خليل ليحدثه فى شيئ أغضبه و كان يغضبه مسبًقا و عندما أعتلى صوت الأبن و الأب فى المكان جرت الأم مسرعة و جذبت أبنها قائلًة " ليس هذا الوقت المناسب ، والدك مرهق الآن " فظل يتمتم بكلمات كثيرة لم تعنى قط جملة مفيدة و إن كان الأب قد أدركها ، و رحل عن غرفة والده و هو يحدث أمه بصوت عالى .


الفصل الثـامن : ( مذكرات )

محملق العينين يعانى الأرق و التفكير الدائم فاتحًا فمه قليلاً .. هكذا كان حال خليل فى تلك الليلة الصعبة .. ظل ممدًا على السرير يخدع الأخرين بإنه نائم نوم الأطفال بينما هو يعانى من الآلام ما تجعله يظن بإنه لن ينام أبدًا ، فقام من على السرير بهدوء و فتح باب غرفة النوم و ذهب لغرفة المكتب و ظل جالسًا على كرسيه فترة ففتح درج مذكراته و أخرجها و شرع يكتب :

" لقد كذبت على زوجتى للمرة الأول ، حاليًا التفكير يكاد ينسف رأسى فالأمر الذى أخفيته عن زوجتى ليس بالهين ، لم أرد أن أحكيه لأحد لإنه ربما يكون مجرد هواجس و لكن الإحساس يخبرنى بالعكس .


دخل اليوم على أبنى الغرفة ليطلب منى أن أجعله يشارك معى فى إدارة المؤسسة رغم أنه لم يتعدى عامه الثانى و العشرون و يريد من الآن بطريق غير مباشر أن أزيح له مكانى أو ربما يريد وراثتى حيًا ، لقد بدأت أشعر بالقلق من طلباته و تذمراته المتتالية ، بينما عند النظر فى عيون الناس فتدرك فى أعماقهم بإن هنالك شيئ مخفى داخل النفوس ، لا أدرى مما أخاف الآن و لكنى لا أجد كلمة مناسبة للتعبير عما بداخلى فالوضع أصبح مخيفًا و مملاً " .

و إستغرق خليل ما تبقى من الليل كله لكتابة مذكراته ..



الفصـل التاسع : ( الحمل الثقيل )

فى ظل إقتراب خليل من عامه السبعين كان يحب العمل الخيرى فيصرف الكثير على المشروعات الخيرية فى ذلك التوقيت بالذات شعورًا منه بإن الأجل قد إقترب و عليه الآن الإهتمام بآخرته قبل دنيته .

كان التفكير بنقل أعماله كلها إلى إبنه لا يفارقه و لكن لم يشعر أبدًا بقدوم الموعد فلم يشعر أن إبنه أصبح يمتلك من المسئولية ما يجعله مهيئًا لذلك حتى الآن .

فى ذلك الوقت كان يشعر سعيد سليم الذى يمتلك 29% من أسهم المؤسسة ببعض الإضطراب النفسى فشعر بتهميش دوره فهو دائمًا ذلك الرجل القابع خلف الكواليس يتعب و يشقى ولا ينال من تصفيق الجماهير شيئًا .

بدأت بعض الهواجس تأتى سعيد ثم تذهب حتى دعا الشركاء الإثنين الأجاتب الأخرين على العشاء فى بيته لمناقشتهم فى شيئ هام .

ظل سعيد يحدث و يحاول أن يقنع الشركاء الأخرين بخطة إنقلاب إدارية فى المؤسسة حيث أكد لهم بإن المؤسسة أصبحت تحتاج لعقول جديدة و بإن عالم الأعمال ليس به تعاطف أو رحمة . و ظل بالساعات يشرح لهم وجهة نظره مؤكدًا بإن الطريقة التى تُدار بها المؤسسة اليوم ستجعلها تسقط غدًا و أموالنا ستذهب تحت الرمال و علينا أن نغير من سلطتنا من فقط إستشارية هامشية إلى سلطة إجبارية غالبية و أطلعهم على خطته للإستيلاء على المؤسسة .

بعد كل ما عاناه سعيد فى شرح وجهة نظره وجهة وجد وجوهًا مبهمة تستغرب مما يقول .. فوعدوه بدراسة الأمر و الرد فى وقت لاحق .

و بينما سعيد يخطط للإستيلاء على مؤسسة صديقه قرر إبن خليل أن ينتقل للعيش منفردًا مؤكدًا لوالديه بإن هذه الخطوة محتومة لإنه يريد أن يشعر بالمسئولية عن نفسه و رغم رفض والداه لهذه الفكرة مسبقًا وافقا هذه المرة مُجبرين حتى لا يعوقوا إبنهما أمام شيئًا قد ينفعه خصوصًا و أنه أصبح فى سن تسمح له بالإعتماد على نفسه .. و من جهة أخرى ظن خليل بإن هذه الخطوة ستعمله كيف يكون مسئولاً ؟ حتى يرمى له الحمل الثقيل الذى حمله على ظهره طوال تلك السنوات .



الفصل العاشـر : ( آن الأوان )

مرضت زوجة خليل بشدة و بشكل مفاجئ و هو ما جعل خليل يعيش وسط الأحزان و يتمنى لو أنه لا يمتلك كل هذا المال و لكن زوجته تعود إليه بعافيتها و ليت المطالب بالتمنى ، فحدث ما كان منتظر فى النفوس بخفاء و ماتت زوجة خليل و قلبه المكلوم أصبح لا يعرف إلا الحزن .

مضت الأيام بعد وفاتها حتى إقتربت من السنة و خليل يشعر بوحدة شديدة و ينتظر الإنتقال إلى زوجته .

و بينما على حاله ذلك فإذا برجل يرن جرس الباب و عندما فتح خليل الباب سلم الرجل خليل شيئًا و طلب إمضائه و رحل ، و عندما فتح خليل هذا الشيئ لم تكن قدما خليل تحمله على الأرض فلم يكن يصدق ما يحدث كان يظن بإنه يحلم .

لقد رفع إبن خليل على والده قضية يطلب فيها نقل ممتلكاته إليه مدعيًا أن والده مصاب بإمراض نفسية و يبدد ثروته بسرعة بسفه .

كانت من أشهر قضايا الرأى العام فتم الحكم فى صالح الإبن و نجح فى الإستيلاء على ممتلكات والده ، و لم تمض أشهر بعدها حتى مات خليل هو الآخر ليذهب إلى زوجته .

حزن لوفاة خليل الملايين الذى لم يعرفوه مسبقًا و لكن صورة الرجل العصامى الذى كافح للوصول إلى ما وصل بدون أن تتغير نواياه كانت فى أعقلهم ، و ألهم مئات الآلاف ليسيروا وراء جنازته .


الفصل الحادى عشر : ( غباء و ندم )

بعد وفاة خليل و إستيلاء إبنه على المؤسسة قام الشركاء بتنفيذ مخططهم فشعروا بإن طفلاً يتولى زمام الأمور فى المؤسسة و إنتقلت السلطة و الأغلبية إلى سعيد سليم بموجب 51% حيث باع له الشركاء فى العلانية أسهمهم بسعر رخيص و لكن فى السر كتب لهم سعيد شيكات على نفسه و معاهدة بخط يده بإنه إذ لم تتضاعف أسهمهم فى الشركة خلال 3 سنوات يستطيعوا الحصول على ما يمتلك من أسهم .

و هدد الشركاء سعيد بإنهم سيظهروا الشيكات أو المعاهدة فى حالة أن إتخذ قراراً فرديًا لا يناسبهم .

كانت خطة سعيد سليم مبنية على إجبار الأبن بترك المؤسسة فى ثلاث سنوات .

رغم أن الإبن لم يكن يمتلك أغلبية الأسهم و كان موقفه ضعيفًا فى المؤسسة إلا أنه نجح فى التصدى و الصمود لألاعيب صديق والده الراحل .

بدء العمال فى عمليات إضراب كثيرة نظرًا لإعتراضهم على كثير من القرارات الخاطئة و بدأت مشروعات " كشك خليل " فى التقلص شيئًا فشيئًا و بمرور الوقت أصبح هناك خسائر و تكاثرت الديون .

فى إحدى الأيام شعر إبن خليل باليأس و الندم و بإنه ربما يكون قد أخطئ فى حياته فكان يشعر بالوحدة الشديدة بعدما تركه أبوه و أمه فى الدنيا وحيدًا ، فذهب لغرفة مكتب والده و نظر إلى مكتبه فجلس عليه أملاً فى أن تلهمه روحه إلى خطوة يستطيع بها إصلاح و إنقاذ ما يمكن إنقاذه و أخذ يفتش فى المكتب بطريقة عشوائية و بالصدفة وجد مذكرات والده و لم يكن يعلم أصلاً بإن والده يكتب مذكراته فأمسكها و أخذ يقرأ فى مشواره مع الكفاح و لم يكمل صفحتين حتى شعر بتعب شديد و سقط على الأرض .

عندما فاق الإبن وجد نفسه فى مستشفى و سمع صوت ممرضة تنادى على الطبيب فورًا حين لاحظت أنه بدأ فى الفوقان من الغيبوبة التى أصابته .

قدم الطبيب مسرعًا ليسأله عن حالاته فأخبره إبن خليل بإنه بإفضل حال و لكن يشعر بصداع مؤلم فرد عليه الطبيب مطمأنًا بإن ذلك شيئ طبيعى نظرًا لغيابه عن الوعى لساعات طويلة .

و هدأ الطبيب قليلاً و سأل إبن خليل إذا كان مستعدًا لإستقبال الخبر التالى فأجابه بإنه مستعدًا .

فنظر إليه الطبيب من فوق نظارته و حاول أن يرتب كلماته فأخبره بهدوء بإنه مصاب بسرطان الدم .

نزل الخبر عليه كرعدٍ يرن فى الأذن ، و شعر قلبه بالضيق و أبتلع ريقه و سأل الطبيب عن المدة المتبقة له فى الدنيا فأجابه الطبيب بإن كل شيئ بيد الله و لم يخبره عن المدة المتبقية و رحل عن الغرفة .

عندما عاد إبن خليل إلى بيته كان يسأل نفسه عن السبب يشعر بالظلم الشديد ، فماذا فعل فى دنيته ليُصاب بسرطان الدم و تكون حالته متأخرة يصعب علاجها ؟

و فى ظل هذه الظروف إنتقل سعيد سليم إلى السجن بعدما لم يستطع أن يسدد الشيكات التى كتبها على نفسه للشركاء الأخرين لتعود الأغلبية مرة أخرى للإبن .. و يتقاسم الشركاء الإثنين الواحد خمسون سهمًا الذين كان يمتلكهم سعيد سليم .

لم تأخذ ( كشك خليل ) وقتًا طويلاً للسقوط حتى سقطت و كأنها لم تكن موجودة فى الأصل و كم من الأشياء العظيمة تفنى بدون أن يشعر أحد .

عندما إشتد المرض و الحمى على إبن خليل إتصل بإحد أصدقائه و طلب منه القدوم إلى بيته للجلوس معه .

قدم الصديق و جلس بجانب الإبن الذى كان مستريح على سريره فطلب من صديقه أن يحضر له مذكرات أبيه من على المكتب .. و بالفعل أحضرها .

ظل خليل يقرأ مذكرات والده و هو تحت الرعاية الطبية حتى أتى الليل و كان الصديق قد رحل منذ مدة و وصل إلى الصفحة الأخيرة ليجد مكتوبًا فيها :

" لقد نجحت فى التصدى لكل أعدائى إلا عدو واحد تغلغل فى الأنفس فأمرضها فأصبح أولاد أدم كالوحوش ، لا إدرى إلى من ستصل هذه الكلمات من بعد مماتى و لكن لكل قارئ لها يجب أن تعلم بإن الطمع يسقط كل شيئ مهما كبر حجمه " .

فأتم الكلمات و شعر بضيق شديد و إشتدت حرارة جسمه من الآلام النفسية .

و عندما حضر صديقه صباحًا ليطمئن عليه وجد أن المنية قد وافته و لاحظ دمعتين جافتين أسفل عينيه .


إنتهى ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق