إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 21 مارس 2012

العقبى للصابرين(2)- الثائر (قصة قصيرة)


وضعت الكتاب على كرسى الصالون الأحمر الداكن بتأنى فقد أرتويت منه علمًا سكَّن نفسي وأشبعها، هو كتاب لفيلسوف أسباني أعجز عن نطق أسمه حتى وأكثر ما أدهشني فيه هو ثورة البطل على المؤلف!! ووجدت حس الكتابة يثور بداخلي –من العبث محاولة إيقافه- فقمت للكتابة رغم أننى عاهدت نفسي ألا أذكر قصة ذاك الرجل !! سأكتفى ببضعة أقاصيص وصلتنى عنه ... إن حكايته لجديرة بإن تُحْكَى وإلا ما جَدر شيئًا بالحكي !

* * *

رفل فى بنطاله القماشى الزيتي الواسع وقميصه الأصفر ذى المربعات الزرقاء والخطوط الحمراء الرفيعة
( وهو الزى الذى لا يحيد عنه بالكاد )، ويلاحظ عليه طوله الفارع وعرضه الواسع حتى إنك لترى من تحت هاذين الحذاءين السوداين العملاقين مدى ضخامة قدمي هذا الرجل، والوجه ... ياله من وجهٍ كبير! خاصةً مع هذا الأنف المفلطح وهذا الشارب الكثَّ أو شعره الأسود المنتظم للخلف دائمًا، فلما رأى التلاميذ أمامهم هذا الكائن العملاق وقفوا تحيةً واحترامًا فإذا به يقول :

-         السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أستاذ/ أحمد عبد الهادى مدرس اللغة العربية .

فردت على وجوه الأطفال الواجمة ذات الستة أعوام بالتحية لتشرح صدره فتشجع ليقول لهم :

-         رددوا ورائى أيها التلاميذ الصغار .

وبعد لحظة صمت أستطرد : ( سأدافع عن الحق وأدحض الباطل) .

وبعد أن رددوا وراءه غير واعيين للمعنى أكمل هو : ( الحروب أسوأ ما فى الوجود الإنساني ) .

وأخيرًا قال : ( لن أكون طماعًا أو أنانيًا !)

إن ذكر موقف كهذا ضرورى ليختصر الطريق ويفسر لكم الكثير عن ... أحمد عبد الهادى

* * *

وقف فى الشارع منتظرًا الأوتوبيس ذات يوم فعليه اللحاق بالدرس، إذ أنه يعطى دروسًا خصوصية للطلبة بقليل من المال، الحصة بخمسة جنيهات للطالب الواحد وإن جمعنا حصيلة مرتبه الحكومى على مرتبه الخاص بالكاد يصل لستمائة جنيه ولما نطرح منهم المواصلات يتبقى لنا ثلاثمائة ولأنه يدخر مائتان للزواج يتبقى فى النهاية مائة وذلك هو المبلغ الذى يطعمه وهو بالكاد يكفى إطعام دجاجة !!

أتى أول أوتوبيس ولكنه تلعثم فى خطاه مترددًا وأبى أن يلحقه ... إن المشكلة أن أحمد قد كان وحيدًا تمامًا فى دنياه ولم يقطع هذه الوحدة سوى متولى صديقه بالمدرسة الذى إنتقل لرضوان الله البارحة فكان يطارد أوتوبيس عدوًا حتى أقترب من الباب بالفعل ولكن نتيجة الزحام على الباب لم تستطع قدمه أن تستقر فأنزلقت لتدهسه العجلات دهسًا !! ولهذا تلعثم أحمد فى خطاه بقلبه الصغير المحطم الذى يرسل له الذكرى كلما فكر أو حاول ..

***



من كثرة الملل والوحدة نام عدة أيام ببنطاله وقميصه وحذائه المهترئ، وقابل سهاده على سرير آلامه بعذاب مستمر لا ينقطع، فكلما نام واته نفس الحلم .. يحلم أنه يموت ..

وحتى فى يومه العادى يرى نفسه يموت ... !!

لكم مرة مات وهو حيًا

***



سأحكى لكم الآن تلك اللحظة التى على أن أكتبها فقد رأى أحمد وجه أمه نضرًا منيرًا بين حجابه الأسود فجأة وأحس بأنفاس "وفاء" –حبيبته التى لم تحبه أو تعرفه- تقترب منه أخيرًا، ولاحظ أباه –الذى لم يره- من بعيد يرمى السنارة ليصطاد وأخيرًا تعرف على متولى بوجهه الضاحك على المقهى ... أحداث تتسارع ... ركض فتخطى عساكر الأمن المتشحين بالسواد ووقف أمام مبنى الوزارة الهائل فرمى اللوحة التى فوقها كُتِبَ : ( مُت حيًا فى عهدكم يا سادة فليحاسبكم الله وليسامحني) وأنسال الجاز على جسده بعدها فى رفق وأخرج الـ ......



فى هذه اللحظة سمعت طارقًا على بابي فتوقفت عن الكتابة مذعورًا فأى زائر يقطع النوم سوى زائرى الفجر المعرفين ؟!



لما خرجت من غرفتي لم أرى سوى ضوءًا أصفر ينير الصالون بخفوت ليظهر البلاط والباب الأبيض المتآكل طلاؤه، ففتحت الباب  ... رباه !!

إنه نفس ال ... ، شارب كث .. بنطال زيتي ... حذاء مهترئ ..، قال لى :

-         من أنت لتتدخل فى حياتى وتغصبني على الموت ؟!

فقلت متلعثمًا كالناطق فى حلمٍ سخيف :

-          ظننت ... ظننت أننى أصنع منك بطلاً يؤرخ ثورةً !

-         أوا تظن أنك بقادر أن تؤرخ ثورة كاملة عن طريق قصتى !! أنا مجرد شخصية من صنع خيالك، ثم إن الثورة ليست بقصة واحدة بل عدة قصص .. إنها إثنان وثمانين مليون قصة فهل تستطع أن تقصهم جميعًا ؟! والأجدر من هذا أن الثورة لم تنتهى بعد .

فقلت بنفاذ صبر عما يكمن فى صدري :

-         ولكني أعشق هذ          ه الثورات حقًا ... أعشقها وأردت أن أتكلم عنها .

-         العقبى للصابرين يا سيدي .. أكتب حينما ينتهى عقلك من الهضم ولا تتعجل .. العقبى للصابرين .



ودعنى بعدها وخرج من الباب كأى زائر، ولازلت فى حالة عدم تصديق مما حدث !



مصطفى سلامه (22-9-2011 )

لحظية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق