تلكع قليلًا فى خطاه ، نظر يمنة ثم يسرة بقلق واضح ، عدّل من وضع نظارته و هو يرفع حاجبيه ، الآن جرى بسرعة و هو يتأكد من وجود الشنطة على كتفيه ، لو علم أحدًا بما فى الشنطة لتأرجح فى عوالم ما وراء الشمس بلا محالة ، هو المكان .. مناسب جدًا ، الساعة الآن الواحدة بعد منتصف الليل و لا صوت حتى للكلاب أو للقطط و هذه الحديقة هى الأنسب لك ، جلس تحت عمود من أعمدة النور فى منطقة أقفرت فيها الحياة ثم قال فى نفسه ..
" حان وقت القراءة "
أخرج ديوان للشعر و ظل يقرأ و يقرأ ..
قلبه يرتجف بلا محالة حتى قلب الضفدع الصغير لن يرتعش مثلما يرتعش قلبه الآن ، و لكن ماذا كان عليه فعله و هو المولع بالقراءة ؟ ، مرّ الوقت حتى ذاب الفتى فى الديوان تمامًا و أمسى فى دنيا أخرى ، هى دنيا الإلهام و الفن و السمو بالشعور ، و لكن فجأة وجد ضياء ساخطة توجه ناحيته و سمع أصوات تقول بغضب يوازى غضب البراكين الثائرة :
- أنظر ماذا يفعل هذا الوغد ... أنه يقرأ .. يقرأ ..
ما أن خرج هذا الصوت حتى تلملم حوله العشرات ، و بدون أى مقدمات و بحركات مفاجئة تهافتوا عليه و قام أقواهم بالبدء ، وجه قدمه لبطن الفتى بمنتهى البطش و القوة ، و قام الآخرون بالواجب على أكمل وجه فتوالت اللكمات و الضربات بلا هوادة أو رحمة و تعالت أصوات تتشنج و تنهج بينما تضرب الفتى:
- أيها السافل .. سافل ..
- وغد كبير و يقرأ ..
- كيف تقرأ هكذا بكل سهولة ، ألا تعلم تقاليد مجتمعنا ..
- ملعون أبوك .. كافر ..
- وغد كبير و يقرأ .. يا حسرتاه على الزمان ..
و ظل الفتى يتلقى الضربات بإستسلام تام ، و عقله يتسائل نادمًا لماذا لم أجيد الإختباء ؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق