عدالة متأخرة
مَنْ يحمي القانون سوى رجال القانون ؟! ... لو كان يعلم المآل فقط من البدء لما عانى مع الدنيا الكثير، ذهب لها بتباطئ وربت على كتفها وقال :
- سنذهب إلى بيت جدي لقضاء العطلة .
لم ترد بل إندهشت وأنعقد لسانها فيْ الحال، مِنْ أى رجل تزوجت يا ترى؟! مجنون !! قضاء العطلة في بيت الجد ! أعجب بها من خطوة لينسيها فشل الحمل طوال عام!، ولا ضغائن عن الجِدِّ إنه فقط السلوك الذى يسلكه ليتهرب من مصيره أو واقعه، رغم كل ذلك رفعت حاجبيها بتحدٍ وأعطته تلك النظرة –التي يعرفها حق المعرفة- وقالت بسخطٍ مكتوم :
- كما تريد يا عزيزي .
***
إن الأمر لا يتعلق بالحارة التى وصل إليها ولا بالشارعِ المتعامد .. الأدهى أن الأمر غير متعلق بالجدِ أيضًا، فلماذا قدم إلى هنا إذن ؟! إن الأمر لا يعدو كونه لحظة جنون مع مُرِّ الحياة وثقلها .. فقط لحظة غضب مكبوتة حولته لهنا عند جده، حيث وقف فى الشرفة بعدما تناول الغداء، كانت السفرة كما هي، ستة كراسى وطاولة خشبية خشنة أرضها بلاط أبيض مشوب بنقطٍ سوداء، ولم يعرف بيت الجد السجاد مطلقًا ! ولا الستائر، والدهان على الحوائط أصفر متآكل، حتى من تناولوا الغداء هم هم كآخر مرة، هو وزوجته وأمه وجده فقط من تبقوا كأسرة له، دخل جده لغرفة النوم التى ما بها سوى طاولة وتلفاز وسرير، والتلفاز عريقٌ حقًا وللجد أن يحمد الله كل عشيةٍ وضحاها أنه للآن يعمل، يجلس على السرير ويدخن السجائر المحلية بلا تمزج ويشاهد الصندوق الخشبي الذى يجلب قنواتًا بلا ألوان، أحتجبت أمه بالغرفة لتأخذ قسطًا من النوم وذهبت زوجته للمطبخ، وخرج هو للشرفة ..
الحارة أيضًا كما هى، عرضها متران ربما أو يزيد، والصغار عابثون لاعبون لاَهُون كما هم، تمتد الحارة أربع بنايات ولا يزيد طول البناء عن أربعة أدوار، ويقع بيت الجدِ فى مبتدأ الحارة والشرفة التى هو بها بالدور الأول فتجعله يسمع كل ما يدور هنالك، المباني هنا تنطق بالقدم والتاريخ وعدم الإهتمام أيضًا فتلاحظ بسهولة الطوب المُغطى بالأسمنت الخفيف فور أن تنظر للبناء، ويُعْد الشارع مكانًا محظورًا للأطفال اللاعبون وبخاصة مَنْ هم أقل مِنْ الثامنة، وإن حاول أحدهم الخروج للشارع يلاحقه أخاه حتى يتشبث به من ملابسه ويدخله الحارة مجددًا، ففيْ الماضي حدث أن خرج طفلاً للشارع وكادت عربة مارة أن تودى بحياته لولا ستر العناية الإلهية، ونتج عن الحادثة إنكسار رجله فقط !
أمامه يتضح شخصًا، هو أحد المجانين بلا شك، هيئته عبارة عن بنطال رمادى –إعتاد البياض ماضيًا- وقميص مهلهل يكشف من نُقره بعض اللحم الأسمر وينبلج من عند الصدرِ لتظهر ضلوعه واضحًة وعن الشعر فهو أشعثٌ منتشرًا فى الهواء ململماً لقاذوراتِه، يتحدث للصبية بكلامٍ غريب :
( أترون هذا الكلب هنالك – أشار على كلبٍ يعيش فى الحارة- إنه خبيث ... خبيث كالسرطان وإن إنتشر هَلَكَنا جميعًا، أنتم لا تعرفونه أما أنا فتعاملت مع كثيرٍ منهم، ألم تلاحظوا نبذ الكلاب الأخرى له؟!، وأقول لكم سرًا أنا أكره روث الكلاب، صغير لكنه نافذ الرائحة، هذا الكلب ...)
***
قبل أن أكمل ما قاله المجنون علىَّ أن أصف لكم هيئة الكلب؛ بيْد أننى أعرفه جيدًا فهو قديم بالحارة أما المجنون فإنها المرة الأولى التى أراه بِها. عن الكلب فهو ذى وَبَر برتقالي يجوب الحارة والشارع بحثًا عن الطعام وحسه بالشبع غير موجود، يُخرِج لسانه لاهثًا ويجر أوساخ الشارع فى ذيله وعن إهتمامه بنظافته الشخصية فهو منعدم ... ، ستبدو الشوارع كلها له واحدةً وبنو البشر عنده كائنات يحظر التعامل معها ويفضل تركها لأنها دائمًا ما ترميه بالأحجار والحصى والطوب الصغير، ولكن إن نَظَرَ له بنى آدم بتحديقٍ بلا رمشة عَلِم وقتها أن التحدي حان وعليه أن يتشرس قبل الأوان، ولكنه لم يهجم على أحد للحق؛ فكان بالجبن أقرب وللسلامة أطْلَبُ، ويحب أحيانًا ملاعبة صغار الحارة ولكنه يكره أن يربطوه بحبلٍ من ذيله ويشدوه وراءهم، كما أنه فى إحدى مرات الغَشم كاد يفقد قدمه اليسرى الخلفية نتيجة أن الأطفال كان يمسكونه من ذيله ويطوحونه فى الهواء فأرتطم مرةً بقوة بالحائط وكان صغيرًا بعد وبمعجزٍة لم يفقد سوى بعض الوبر وظهر لحمه عاريًا بلونٍ وردى ملوث بالسواد بعد أن فَقَدَ دماء جمة ...
وبقت أطفال الحارة هم الوحيدون أصدقاءه، حاول أن يعثر على الكلاب الأخرى ولكن المصير ينتهى لأحتمالين إما الفشل فى التواصل أو النبذ من الآخرين، فيعود خائبًا واهنًا للحارة ليصادق الأطفال الصغار . وعند العصر يتجه لأشجار الكافور والصفصاف المزروعة أمام بيت " السيد بسيوني" – هو البيت المقابل لبيت جدى - الذى وقف عنده المجنون يحكى للصغار - ليقضي حاجته ثم يرفس الرمال بظهر قدمه حتى تُغطى على الخراء الصغير .. سأعود لحديث المجنون الآن :
( هذا الكلب يأتى كل يوم ليضع خراءه هنا أمامي، طول الوقت، أدعى أنا عدم النظر لعينه فيتجرأ ويتشجع ويتغوط على الطينة الرملية ويدارى خراءه ويذهب !! أهناك أخبث من تلك الكائنات ؟! كالفاسدين من البشر تمامًا يتغوطون بفسادهم على المجتمع ويصرفوا الرمال عليها لتتوارى ...)
حينها دقَّ قلبي دقةً عنيفة، أتت زوجى للشرفة ونظرت لي بعمق، تريد قول شئ وتعجز، ولكني كنت منصرفًا بذهني تمامًا، وضعت كوب من الشاي أمامي ورحلت مرة أخرى بلا حديث .. أنصرف الصبية الصغار عن المجنون لما وجدوه متفوهًا بما لا معنى له –بالنسبة لهم- ولكني أصررت على البقاء فى الشرفة ومتابعة هذا المجنون الذي وقف أمام بيت "السيد بسيوني" بين الشجرتين (الكافور والصفصاف) كأنه ينتظر الكلب كي يتغوط، ظللت أنتظره ولكنه تيبَّس فى موضعه جالسًا القرفصاء على الأرض، يركض الأطفال وراء الكلب ويلعبون به لا معه، الوقت كان عصرًا لما دخلت الشرفة والآن توشك الشمس على الرحيل، تكلم المجنون بصوتٍ منخفض فى البدء فقال أحد الصبية ( حكاية كل يوم لا جديد )... يبدو أنه يقول كل يوم تلك الحكاية فلأسمعن :
( تالله إن الدنيا لفانية !، كنت الأول في الثانوية وألتحقت بالحقوق وكنت الأول، وعينت وكيل نيابة وكنت الأفضل، قضايا السرقات والتدليس والحنثِ بالعقود ... كلها لم تخرج من تحت يدي عبثًا، نقلوني للنيابة الإدارية، بدأت المشاكل، أجُبرت على أن التعامل مع قضايا الفساد يوميًا ولم أستطع أن أمسك شيئًا على ذوي روابط الأعناق الثمينة رغم أن زملاءي عثروا على أحبال الجرائم على مضض، مع مراعاة الأوامر العليا –النادرة- التى تقتضي بالتزحف وراء هذا –كما نشاء- وترك ذاك –كما لا نشاء- ! )
قبل أن أستطرد حديثه علىَّ التنويه بأنه كان فى حديثه يستخدم عربية فصحى دقيقة، رصينة الحرف، ومضبوطة التصرف، وبين الشجرتين وقف مُحركًا يداه وجسده تحرك محامٍ مجتهد فى بهو المحكمة، ولولا ما يلبس لكنت نسيت أنه مجنون .
( أحببت فتاة فتعاظمت المشاكل، وجدت الفاسدين كالسمك فى المحيط عددًا .. تضخمت المشاكل كجبلٍ لا نهاية لحجمه .. تالله إن الدنيا فانية يا عباد الرحمن ! ولما ذهبت للخطبة أكتشفت أن أبوها له قضية عند زميل فقال رئيسي : فلتنسْ أمرها يا صاح فمن يتلوث بالطمي فى مجتمعٍ متحيز كمجتمعنا لا ينظف بأي مسحوق !، كثرت قضايا الفساد المترامية على مكتبي لتصل لعددٍ بالاستعصاء يحصى، ودارت الأيام لأجد فتاة أخرى أولع بِها ولهاً وعشقًا وأذهب لخطبتها فأجد أبوها متسخ عن الأب الأول، شبهات بلا دليل أنَصِّفه بالفساد أم نحن الفاسدون؟ أعظوني يا قوم، صرت أشعر بأن الفساد للكل والكل للفساد، يمنة ويسرة على الطريق، طولاً وعرضًا، والتفاحة وإن عطبت فلا بأس أما الحصاد كله فتلك هى المشكلة، أضحت الحياة شاقة المحياة!، وكانت تلك أول مرة أفكر بها فى الإنتحار .. إلغاء الوجود، رؤية هذا العالمِ الآخر، لم أكن لأرتكب كبيرة من كبائر ديني، فإننى تحت حكم الضرورة وللضرورة أحكام، والله يغفر لمن يشاء، ولكن ...)
أكمل قصته ولن أطلعكم الآن عن البقية، ركضت على جدي منفزعًا وسألته عنه، فقال أنه أتى هنا منذ سنة تقريبًا وينام يوميًا أمام منزل "السيد البسيوني" وكانوا بالبدء يتطيرون منه حتى أعتادوا عليه وأحبوه فهو يصحو ويسأل العابرين صدقة بأسلوبٍ مخيف ولكنهم صاروا يحبونه ويعطفون عليه بجنيه أو إثنين فيذهب لمطعم "الشريف" ويعطي رجل البيع إياهم فيصرخ به " أنتظر على جنب ياض" ويجلب له سندوتشان بعدها كعادة كل يوم، ويكرر الفعل غداءًا وعشاءًا إلا إن أعطاه أحدهم طعام آخر !، إن شعبنا مضياف بعد كل شئ، فسألت جدي فى النهاية :
- كيف أنتهى به الحال للجنون ؟!
تعلثم قليلاً وهو يتجنب النظر لي وقال :
- أبدًا، كما قال فى قصته ..
أعطيت جدى نظرة حادة –لأول مرة- وقلت بنفاذ صبرٍ :
- قال فى قصته، أنه طُلِبَ للتحقيق ودار بعد ذلك أسبوع فى الشوارع حتى نسى معاد التحقيق فألتهبت قدماه وتورمتا وأرتحل فى الشارع كالمجنون ولكن الناس هم المجانين !
- هذا ما يقوله ...
- جدي .. لا تلف وتدور أرجوك..
- لماذا جئت اليوم هنا ؟!
- لرأيك .. لخبرتك بالحياة ؟!
- جواب خاطئ ..
- بالله عليك أغثني، أنت تعلم إننى وكيلاً بالنيابة الإدارية ومطلوب للتحقيق ولهذا أتيت هنا ... كيف بالله يحكى هذا المجنون حياتي ... كيف ؟!
- لا تسألني أنا، بل أسأله هو !! والأفضل أن تسأل الله .
- أهو مثلي ؟!، أهو موجود أصلاً أم أنا أتخيله ؟! أيها الجد العزيز .. إن لم تجبني سيطير عقلي كما طار عقله أرجوك أغثني .
- ألم يقل فى قصته أنه فكر مليًّا بالإنتحار وإنهاء الوجود ؟
- بلى .
- هل فكرت أنت فى ذلك ؟
- بلى .
- إذن فالفارق الوحيد بينك وبينه أنك حافظت على وجودك ورباطة جأشك أما هو فلم يُحافظ .
- ولكنه موجود، بالأسفل عند البيت المقابل لنا ... أنا رأيته ..
- ليس كل ما تراه موجود يا بني .. ومن يفقد وجوده بالحيا أشقى ممن يفقده بالموت !
***
ذهبت للشرفة مرة أخرى، وجدت الكلب يقترب من المجنون، ظهرت لعقلي حقيقة، كيف أمسك بالدليل ؟!، أتت زوجتي من ورائي، وبنبرة هادئة قالت مُعلقةً على رؤية الكلب :
- يعجبني فى الكلاب حريتهم المطلقة، يتزاوجون فى الشارع بيسر، يتغوطون فى أى مكان ..
- ولكن ... مهلاً عليكِ ... إن الكلب وإن تغوط لا يترك خراءه فى العراء ... !!!
- لم أفهم !!
- الكلب وإن تغوط !! ... لا يترك خراءه فى العراء ...
رحلت زوجتي ممتعضة الوجه بلا تعليق، كان المجنون واقفاً أمام بيت "السيد بسيوني " وبيده مجموعة من الحصى، كيف أُمسك بالدليل على الفاسدين إن كانوا يوارون فسادهم كما يخفي الكلب خراءه !
أتى الكلب لقضاء الحاجة أمام المجنون عند الشجرتين -كالمعتاد-، ولكن "المجنون" تصنَّع أنه سيلق حصى عليه وتحداه بنظرة نارية، فركض الكلب وهلع خائفًا للحارة بعدها تلقفه الأطفال - ليلعبوا به لا معه- والمحزن أن الكلب يريد قضاء الحاجة ولا يعرف .. يعود لبيت "السيد" فيرميه "المجنون" بالحجارة هذه المرة، فيهرع الكلب مرة أخرى، ويحاول أن يهرب من الحارة لقضاء الحاجة .. ولكنه لم يتعود قضاء حاجته فى الفضاء .. يصطخب الأطفال من حوله هنا وهناك فى دوائر، فتزيغ عينا الكلب وتدمع ويبدأ عويله الحزين الذى لا ترثى قلوب الأطفال له، ويعوى الكلب فترد عليه كلابًا أخرى بالعواء ولكنه لا يقتفى لها أثر، ويحاول أن يشم ولكنه يبدو أنه فقد حاسة الشم، وبدأ الوهن يجتاز فى كل جسده الضعيف، وأحس بأن النهاية وشيكة والصاخبون من حوله لا يهدأون، أمعائه تتقطع وبطنه تتمزق وفتحة شرجه مليئة بالفضلات، يئن ومن حوله الشياطين الصغار لا يتركونه ودون تعمد سقطت منه الفضلات على قدم أحد الصغار ... ليته ما فعل ! أمتعض الصغير وأحتقن وجهه وسط تصايح قرناءه عليه بالسخرية، فقام الصبي بمسك حجر ضخم متجهًا ناحيته ورماه بقسوةٍ على رأسه فتأوه الكلب وسقط ثم حاول النباح دلالة الشجاعة ولكنه لم يستطع، فرَّ مسرعًا للاطريق ولكنه فى الحقيقة لم يكن يتحرك بل كان يتلوى على الأرض طريحًا، فأمسكه الصبي مرةً أخرى من ذيله صائحًا : (سأعلمك التغوط على أسيادك يا أبن الكلاب ) وطوَّحه بعيدًا ليخرج من الحارة إلى الشارع فى منتصف الطريق مرميًا شأنه شأن الجماد أو روث الْحَمير، وللأسف أرتطم الكلب بشخص ما يسير فى الطريق وقد كان ينزف من جرحه السابق ورأسه أيضًا تنزف بشدة جراء ضربة الحجر ويبدو أنه كان للحياة مفارقٌ، لم أعلم إن كان قد مات أم لا .... !!
والمفاجأة أن الشخص الذى أرتطم به كان المجنون.. كان هو المجنون نفسه !!، أخيرًا عثر على مبتغاه ولكنه للأسف .. قد كان فى تلك اللحظة فاقدًا للعقل ...، نظر للكلب بلا معنى ونظر للصبي وكأنه لا يعرف ماذا سيفعل بِه ..!
لقد فقد عقله تمامًا ...
***
تصايح الصبية بالحارة، وبقى المجنون متسمرًا حتى رحل لينام أمام بيت "السيد بسيوني"، تأخر الوقت وعلينا العودة للمنزل، أعاد علىَّ عقلي المشهد السابق بطريقة مختلفة، الكلب يريد أن يتغوط ولكنه لا يترك خراءه فى العراء، المجنون نظر له ليمنعه من ذلك، المجنون يبحث عن مجدٍ زائل، والكلب تغوط فى النهاية على أحد أفراد الحارة بغير عمد، فظهر خراءه فى العراء وضرَّ الخلق، وحينها لقى جزاءه !! وسقط على قدم المجنون فى النهاية بسهولة، المجنون يبحث عن مجدٍ زائل ولكنه كما قال جدي .. فقد وجوده !
مصطفى سلامه
23-10-2011
23-10-2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق