الرَابِض بيْن القُبور
متى يرحل هذا المجنون من هنا .. حقًا أصابنى بالحنق ، و يظل الظلام الدامس و الأوجه المخيفة مثل وجهه تعبث بعقلك ، ألم تعتاد ؟! بلى و لكنه جعل منى أشبه بالناشئ هنا ، أرسل الفزع الأولى للقلب مرة أخرى .
أنت الذى أعتدت مصادقة الخفافيش و التلفح بالسواد الخارق دون أن تلمسك نقطة رعب الآن يملئ قلبك هو رعبًا ، كان يجب أن أكلمه ، ذهبت له و قلت :
- أستاذى ، سيدى ، أرجوك ، مجلسك هنا بين المقابر يجلب لى المشاكل و يثير الشبهات ، لماذا تأبى الرحيل ؟! أعتذر إن كنت فظ لسؤالى و لكن أرجوك ...
هو ، برائحته النتنة و مجلسه الدائم جانب الأموات و يصطنع أنه لا يرانى و لا يسمعنى مثل الأيام الفائتة و شعره الممتد فى عبث و وجهه الذى إنحشرت فيه الغيوم و طريقة جلوسه .. يذكرنى بالكلاب الضالة حتى وجهه يتشابه معهم ، هو .. نعم هو سبب حنقى و المسمار الذى إنحشر فى حلقى و يمنع عنى النوم ، سأحاول معه أكثر هذه المرة :
- سيدى ، نعم هى مقبرتك و ملكك لا إعتراض ، و لكن الزائرون يأتون صباحًا و يرحلون أما حضرتك .. ، أقصد الحكومة قد تظن بك سوءًا إن عبرت من هنا فأنت تعلم أن العابثون كثيرون .
عليك باللطف و الإستحسان و نبرة الخادم فى كل ما تلفظ به ، لولا أنه من يعطينى قوت يومى لمسكت المطرقة و أوديت بحياته فى لمحة بصر ،
و إن تبجحت معه .. ستترك عالم الليل و السهاد بجانب مشعل من النار و تبحث عن عمل آخر ، و أى عمل يصلح لك بعد أن إعتدت .
و إن تبجحت معه .. ستترك عالم الليل و السهاد بجانب مشعل من النار و تبحث عن عمل آخر ، و أى عمل يصلح لك بعد أن إعتدت .
- أرجوك سيدى ، فلترحل عن هنا ، قضيت شهرًا بحاله .. و لماذا ؟!
إذن طالما أن الوغد لا يرد ، فلتدعه لشأنه ، أليس ذلك ماله على أى حال ؟! و لماذا تهتم ، يقذف فى قلبك الرعب ، فليفعل . ستنساه كما نسيت الربط بين أصوات الذئاب و الموتى فى البداية ، م .. ماذا .. إستمع إستمع يحاول أن يقول شيئًا :
- أنا ..
يا الله ، صوته صوت ميت ، و من أدرى منى بإصوات الأشباح ، حاول أن تلتقط همسه :
- أنا أنتظر .
حتى فحيح الثعابين أقل حدة و فزعًا ، فلتكمل جملتك أرجوك ، عذبتنى معك شهرًا بحاله لأسمعها :
- أنتظر أنا .. هنا ، صوت .. إ.. إشارة .. أ .. أريد أن أستمع ... ، أود لو .. ي
اللعنة عليك ، ماذا تريد ؟! ، هل تريد السمع من الأموات .؟ماذا تنتظر و من تريد أن تسمع ؟ هل فقدت امرأتك و يُحطم قلبك الشجن فأتيت هنا لبعض الوسن .. هل هو إبنك .. ؟ لماذا تربض هنا كالكلب بجانب المقابر .. ؟ ، و الآن تنتحب .. فلتسمع سيقول شيئًا آخر :
- ي .. يقص علي .. يحكى لى .. م .. ماذا رأى .. ؟! م .. ماذا يرى ؟! و كيف تُحلق روحه .. ؟ أريد أ .. أن يصف لى ( أخرج شهيقًا مصاحب لنحنحة الباكى ) يصف لى حياته قبل مماته ، و حياته الآن بعد مماته ، ما أول ما رأى حينما خرجت روحه ؟؟ ... ، و هل يتعذب الآن أم يعيش فى نعيم .. ؟ آآآآه .. ، هـ ..
قال و قد شّد قبضته و جميع عضلات جسده ليتمالك نفسه :
- هل رأوا الخُلد حقًا ؟!! ( كررها و هو يُنكس رأسه بالأرض ) هل رأوا الخُلد ؟!
***
غشى صوت بكاء الرجل الذى يجلس بجانب الأموات على المقابر ، روّى النبات بدموعه ، و ظل على حاله ، مُنتظرًا بجانب المقابر ، علّه يسمع شيئًا منهم .. مفتاحًا ليدله على كيفية عيش حياته ، أو تحذيرًا يرهق فؤاده و ضميره دومًا .
و لكن حارس المقابر لن يصبر على هذا العبث .. نفسه ضاقت و حناياه تقلصت و فجأة إنتفضت فرد عليه بصوت يوقظ النيّام بل و يخيّل إلى السامع أنه يوقظ الأموات :
- أنت .. ، إذن أنت ، أنت منهم .. ، و الله أنكم لمنحطون .. ، لن أصبح ذاك اللطيف معك بعد !! أنت أقل شأنًا من ذلك .. ، أنظر لحياتك و لتدرك ما الذى أتى بك لهنا حقًا .. ، أنت .. ، كيف تصبر على الشك بداخلك ؟! ، و الله أنكم لفاشلون .. ، و كيف تشك فى الظلام و الإيمان ينير عالمك .. ، فلتجلس هنا حتى الموت و لترى بنفسك !!
ظل الراجل رابض بجانب أمواته .. لم يُحرك ساكنًا ، أما حارس المُقابر فقد رحل لأن الفجر قد أوشك على البزوغ و صلاة الفجر حق .. ، و لكنه عاهد نفسه بترك هذا العمل .. حلقه لم يعد يتحمل مزيدًا من تلك الغصات .. !!
مصطفى سلامه (26-10-2010

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق