السَّائلُ فى الزحام
كان يدرك أن لمصر زحامًا ممدود، أراد أن يجرب شيئًا مُعتادًا، هبط لفخ الزحام، رغم أنها عطلته ولكن الزحام فخًا به النجاة، ولهو أفضل مائة مرة من الضياع المنتشى فى الربوع والأنحاء .
ذقنه اليوم ليست حليقة كالعادة، وسمرة وجهه المتجعد تنعكس فى قيظ النهار، وأعذروه لنتواءات ملبسه وتقطعاته؛ فإنما برزت لأجل ألا تبرز فى ملبس ابناءه وامرأته .
" كم هى الحياة عبوسة المحياة !" هكذا رددت نفسه .
الزحام فى الشارع خلق ضجيجًا فظيعًا، الكل ينتظر الحافلات فى الموقف والكل يتكلمون، والشمس كرة تلفح القفاه، رأى على غرة شيخًا عجوزًا يرتدى جلبابًا وخماراً وله وجه مكلل باللحية كالبدر فى طلعته بين دجى الزحام، فذهب له على الفور وقال :
-متى ينصلح الحال يا حاج ؟!
لم يرد العجوز بل تركه وغادر، فذهب على إثره وقال :
-تبدو لى مقتطف من الجنة يا حاج، ألا فلتدعو لى أن ينصلح الحال .
ولكن قسمات وجه العجوز ظلت كما هي، فشعر حينها بكآبة تغشى الدنيا ومن عليها حتى تفاجأ بطفلٍ يشده من بنطاله ولما نظر له قال الطفل:
-أعذر الشيخ يا أستاذ فهو لا يجيد السمع .
سرعان ما هبط قليل من العزاء على قلبه، فشكر الطفل وطافت عيناه فى الزحام فعثر على هذا السياسى المشهور، ألا فلتذهب رائحة العادم إلى الجحيم !، الضجيج فوق ما يحتمل .. فوق ما يحتمل، ركض نحو السياسي وقال له :
-ما شاء الله حضرتك تنتظر الأوتوبيس كباقى أفراد الشعب تمامًا .
ولكن السياسي لم يعره اهتمامًا؛ فقد بدا منشغلاً فى حديثٍ سياسي مع رجلٍ أخر، ومع ذلك استطرد عسى أن يسمعه قائلاً :
-قلْ لى بصفتك سياسي مخضرم، متى ينصلح الحال ؟!
فلم يرد السياسى عليه وظل منشغلاً فى الحديث مع الطرف الأخر، فأحس بأن هنالك من يجذب بنطاله للأسفل؛ نظر فوجد الطفل يجذبه مرة أخرى قائلاً :
-لا يرد عليك لأنه لا يسمع كالشيخ تمامًا .
فتلّوت شفتاه إمتعاضًا وأسودت الدنيا فى وجهه وشعر بأن العالم سينتهى قريبًا، قريبًا جدًا، وتساءل فى نفسه إن كانا أصمّان فمنذا الذى سيسمعه ؟! رأى الطفل ذو الوجه البشوش فقال له :
-من كثرة الضجيج فى الزحام لا أكاد أميز الأصوات ولا عن ماذا يتحدثون ؟!
فرد الطفل بعفوية :
-هم خلق الله، يتحدثون فى السياسة العليا للبلاد من أجل الأصلح للعباد .
فقال الرجل :
-وهل تعتقد أنهم سيتوصلون لشيء يُصلح الحال ؟
رفع الطفل كتفيه وأخرج شفته السفلى دلالة على عدم المعرفة بالغيب وقال بعدها :
-أنت تسألني فيما لا أعلم يا أستاذ ولكن ما أعلمه أنهم كلهم فاقدي السمع !! فليس ثمة سامع فى هذه المدينة !
هالته الجملة التى سمعها فأصيب بخضة بالغة، وتخيل المنظر من أعلى، كلهم .. كل هذا الزحام يتكلم ولا يسمع، يعرض رأيه ولا يعرف رأى الأخر، يصر إصرار العنيد ولا يدرى بالأفكار الدائرة فى خلد الأخر .. تساءل عقله فى حكمة ولماذا إذن يسمعه الطفل .. فخرجت على لسانه (لماذا كنت وحدك تسمعنى وتصغى وتصيخ ؟!) .. فقال الطفل بنفس العفوية :
-كلها كم يوم يا أستاذ فأكبر فأفقد السمع .. مثلهم تمامًا !
مصطفى سلامه
20-2-2012
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق