لن ينام أحدُ الليلة ؟(قصة قصيرة)
لن ينام أحدُ الليلة ؟
أغمضت عيناى و فتحتهما مرة أخرى و لازلت غير مصدق ، طالعنى وجه المذيع فى نشرة الأخبار و هو يقول : ( و يبدو أن مصر كلها لن تنام الليلة ؟! ) .
هبطت إلى الشارع مسرعًا و قلبى يرتجف غير مصدقًا ، صوت إنفجارات خفيفة يلاحق أذنى أينما ذهبت أو حاولت الهروب و لكن مماذا تهرب يا عتىّ ؟ تجد البشر قد داهمهم جنون يغلى فى أحضان سهرة ليلية ، و الراكضون ما أكثرهم و الصائحون يملأون الأرض و الصخب يلتف حولنا كمدار إلتف حول كوكب فلازمه بإجبار طوال الوقت فى الفضاء الكونى .
و لكن لحظة هنا .. ! أكل هذا تعبيرًا عن الفرحة ؟ نعم ، هو كذلك فليتها فرحة تأتى كل يوم فى زيارة لقلوب البائسين و لكن مثلها مثل ملك ظالم فى عبوره على المناطق النائية القذرة ، بيد أن الفرحة لم تكن فقط لنصر تحقق بل و إنصياعًا لأوامر صوت رجل قوى قابع فى عمق كل شخص هاتفًا بعنف : ( إستمتع بلحظة سعادة واحدة أرجوك .. و لو كانت نشوة عابرة ) !
أمسى المرور فى حالة يرثى لها و لكن من يهتم ؟ فاليوم هو من تلك الأيام التى يكون فيها خرق القواعد واجب علينا ، و تجد الشوارع الرئيسية – أو المشتهرة بالإحتفال - لا تتحرك من كثرة الجمهور العميق الذى تدفق كالنمل أما الشوارع الجانبية فخالية تمامًا ككهف مظلم !
و لمحت أنا مجموعة من الأطفال يوقفون حافلة ضخمة و تقدم أحدهم و ظل يؤدى رقصة غريبة بحق كأنه كلب يسبح فى بحر من الهواء ، و الكل الآن لا يشعر بنفسه فتجد من لم يبتسم فى حياته قط الآن يقفز و يهلل و يفتح ذراعيه للهواء كأنه يلقى صفعة على وجه حياته .
و مرت من أمامنا سيارة صغيرة وقف مجنون على سقفها و ظل يردد : " وداعًا يا كاميرون وداعًا يا نيجيريا وداعًا يا ساحل العاج وداعًا يا جزائر وداعًا يا غانا فمصر هى البطل دائمًا " .
و قد تلونت الدنيا بحق بالأبيض و الأسود و الأحمر من كثرة حاملى الأعلام الذين ظلوا يلوحوا بها إحتفالاً بإنتصار منتخبهم ببطولة الأمم ، و أما السماء فلم تكن قاتمة كعادتها فى هذا التوقيت من الليل بل ظهرت البهجة عليها و أضيئت بمختلف الألعاب النارية كأنما القرص لم ينطفئ أو أخذ الليل قراراً جريئاً بالتخلى عن ثوبه الأسود و نزول الأرض للإحتفال مع الجمع .
و حتى لا أكون كذاباً فقد جننت أنا الآخر فى هذا اليوم حتى أنى لا أتذكر من تفاصيله سوى أنى كنت فى حالة هيستيرية حتى قبل الفجر بساعتين تقريبًا و حينها قررت الرحيل .. فمضيت فى طريقى أبحث عن حافلة تنقلنى لمنزلى و من كثرة التعب ظللت متخيلاً لدقائق أنى بضغط زر المعجزات أستطيع الإنتقال لمضجعى و أنام ولا أصحى قبل يومين و لكنى عدت لأرض الواقع سريعًا و رأيت صوتًا عجيبًا يُنادى
( ألفا ماسكين ، ألفا ماسكين <1 > ) و بحركة لا إرادية تمددت يدى للأمام و ظلت تلوح ، فوجدت السائق يقف و صعدت إلى تلك الحافلة المنكمشة ، و من حسن حظى أنى جلست فى مقدمة السيارة لإن الخلف دائمًا ما يكون غير مريح و شدنى مظهر السائق كان فتى ينطق مظهره بإنه فى بداية العشرينات .
و إن كنت أبتغى الهدوء فللأسف الخيال شئ و الواقع شئ و منغصات الهدوء فى ( الميكروباص ) ما أكثرها ، فتجد السائق دائم التذمر من النقود المعدنية الصغيرة التى يفقدها صاحبها بسهولة ، و زبون يطلب باقى ماله و السائق ليس معه فتحدث مشادة بينهما ، و كانت أبواق السيارات تنشد الموسيقى الفرحة زأرًا بالنصر و السائق لم يرد إلا أن يرد عليهم بإبواق من سيارته ، و فجأة سمعنا أصوات فتيات يتمتمن و وصل لأذنى من كلامهن ( مش معقولة ، أنت قاصد ، سفالة و قلة أدب ) و حينما سئل الراكبون أخبروهم بإن شباب فى المقاعد الخلفية يضايقهن ، و لم يكن غزل الشبان للفتيات غزل رقيق أبدًا إنما غزل وقح فتعمدوا غرز ركبهم فى مقاعد الفتيات و الهمس بكلمات بين بعضهم البعض مسيئة لهن ، فنظر السائق لهم بوجه بدا عليه التململ كإنه يقول داخل نفسه ( أنا مش ناقص ) فأمر بإن يتبادل الفتيات مقاعدهن مع مقاعد أخرى دون توجيه نقطة لوم إلى الشبان و سرت الرحلة بهدوء نسبى بعد ذلك .
إقتربنا من نهاية الرحلة فسرنا فى طريق كالح قد خلا من البشر تمامًا - كأحد الكهوف التى وصفناها مسبقًا – و الفرق الوحيد هو تراص أعمدة النور على الجانبين فتمالكت السائق الصغير حالة من النشوة و ضغط على عجلة البنزين بإقصى قوة و لايزال يردد بوق الإحتفال بالنصر و تلاعب بالسيارة تفاديًا لحفرة هى من عيوب الطريق ، و أنا كنت أراجع أحداث يومى جيدًا بدايًة مما قبل المباراة و إحساسى و إختلافه بعدها ، و إحتفالى وسط الأصدقاء و الجميع و الليل .
و كنت سعيدًا بحق لإن السماء لم تمطر كالبارحة و كما عودتنا فى يناير و فبراير فلو أمطرت كيف سينزل الناس للشوارع و يعبّروا عما بداخلهم من فرحة ؟ ، بل تركت لنا رائحة الندا اللذيذة على الأنوف ، و شردت عيناى مخترقة زجاج المقدمة و عقلى ليس معها بل مع أحداث اليوم الجميل حتى سمعت صوت إرتطام و صرخة للفرامل فإهتز قلبى ذعرًا و فزعًا .
سمعنا صوت مجروح يئن بجانبنا ؟ نظرت حيث نظر الآخرون فوجدت كلبًا غشاه سائل أحمر لزج حتى أخفى لونه الحقيقى ، و حينها شعرت جيدًا بدمى يتحرك فى العروق بسخونة فإقشعر الجسد كله فى وهلة و تملكنى إحساس رهيب بالشفقة و إن ترى الكلب منزويًا فى دماءه و تنظر لعيناه البريئتين يداهمك شعورًا بالضغف ، كان قلبى وقتها كآلة تتقلب بين الجوانح و كلما سمعت عويل الكلب الرقيق أو نباحه الضعيف المصاحب لحشرجة أصابتنى حالة من الشفقة لم تأتينى فى حياتى قبلاً ، و بسبب الأنين و نظرة العين الضعيفة وجدتنى أخترق جسده و سبحت بين الأحشاء المرهقة و رأيت جيدًا إحساسه بالتسليم للنهاية المحتومة و كلما أردت أن أخرج من داخل جسده شدتنى نظرة عيناه للسباحة مرة أخرى ، يالعذابى المستمر ! و بصعوبة قاومت قلبى و أغمضت عيناى حتى لا تُقابل عيناه فخرجت من الجسد الموشك على إفراغ الروح .
و أحسست بقمى يقول : " حرام عليك " " حسبى الله و نعم الوكيل فيك " و لكن مالها الكلمات تأبى أن تفارقنى للعلن ؟!
و تهيأ لى للحظة أن الموقف كله حلم لا يشتهى النهاية ! و أكد ذلك أصوات صائحة : " تحرك يا أسطى " أو " لا حول ولا قوة إلا بالله .. ما باليد حيلة ، تحرك قبل أن يلمحك ضابط المرور " .
و يده تحركت بالفعل و قدماه داست على المحركات و ظلت سرعته جنونية كما كانت و نفسى تخبرنى بإنه إذا لم أتحرك الآن بإيجابية ستؤنبنى و لن تسامحنى طوال العمر و عقلى فاجأنى بإلفاظه القاسية و هو ينهرنى و يسبنى بجرأة " يا تافه تحرك ، يا أحمق تحرك .. أضربه بقوة ، أجعله يعود .. أنّبه حتى ؟ هم لا يشعرون مثلك كأنما الموقف يحدث معهم يوميًا ، و لو كنت تمتلكنى وحدى دون قلب فى جسدك لا تظن أن الإحساس سيموت بداخلك بل سأفرط حينها فى نفسى و إنقلب قلبًا !!! " .
إنتهت الرحلة ، نزلت دون أى تحرك إيجابى و تمشيت بضعة أمتار .. الوضع لم يختلف .. وجدت ليلاً مرتديًا ثوبًا مرصع بالنجوم الباهرة و الألعاب النارية فاتح ذراعيه و مجلجلاً كتفيه راقص مع الساهرين .
و عبرت من أمام تلفاز و رأيت الرجل يردد " لن تنام مصر الليلة ! " فقلت فى نفسى " صدقت بل أنا بالذات لن أنام الليلة !!! " .
مصطفى ســلامه 3-6-2010
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق