نهارًا في الخارج وقف الجنود بزيهم الحديدي وسيوفهم المغمدة في حالةٍ تتوسط القيظ والنوم، وفي الداخل عند ركن الغرفة الأسمنتية الأعلى؛ شعلة وحيدة تضيئ العزلة والظلام الممتد، وقف أحدهم بإزاره الأزرق وقال :
- هذا عبث يا سيدي، أنت لا تعلم ما أنت عليه مُقبل ؟!
فقال العجوز ذي اللحية البيضاء:
- بل هو الحق .. ولن أخاف من الموت .
- هم يعدونك عدواً، مفسدًا، التاريخ سوف يتذكرك عابثًا، كيف تقبل ؟
رد آخر :
- سنرشي الحراس ونخرجك من هنا .
وقال آخر بإزار أحمر :
- بلى، وقد أتفق التابعين بالفعل مع الحراسِ .
وترددت فى الأنحاء " مرحى مرحى " .. حتى قال العجوز بتصميمٍ أصمتهم :
- مم أهرب ومَنْ يحترم رجلاً هاربًا ويسمع له ؟! قُضى الأمر .
تلوَّت الشفاه إمتعاضًا وحنقًا، وحلقت فى الغرفة العفنة رائحة الموت القريب، وخرج التابعين باكيين على ما يوشك أن يحدث !
***
لم تكن الشمس قد تيقظت بعد، ولم يعشق في حياته سوى النهوض مبكرًا والتوجه إلى الشرفة ليلحق بالنسمة الصباحية التى تصاحب سبتمبر, جلب القهوة والجريدة وعدَّلَ من وضع الكرسى كي يشاهد وسط المدينة التى يتدافع فيها البشر بالمناكب جراء الزحام، أما شرفته فكانت هادئة، يتابع أسراب الحمام المحلقة، ويتطير من الغراب أعلى عمود النور " إياكم والتطاير" ولكنه كريه المنظر، يعبث بأفكاره، ثم يُخرج الجريدة التي ما عاد يشتريها إلا للكلمات المُتقاطعة .. وأول كلمة أفقية كانت " من خمسة حروف، عالم يوناني قديم أشتهر بفلسفته التى أعترف العالم أجمع بروعتها "
تُرى من هذا العالم، أو الفيلسوف، ومنذا الذى تُهمه الفلسفة الآن ؟! ولماذا يصعبونها على َّ يوميًا فى حل الكلمات المتقاطعة، مالنا نحن ومال التاريخ والفلسفة؟ فما حدث قد حدث .. ولكن مهلاً، إن كان العالم كله إعترف بفلسفته كان إذن من الصالحين فى عصره .. شامخًا رصينًا محبوبًا من الجميع ..
ترك الإجابة إلى حين ...
***
في الشتاء القارص تَمشَّى بمنتهى الهيبة والجلال وحوله جنوده المحبين المطيعين، وصعد للمنصة ثم ألقى حديثه الذي ألهب الصدور والعقول، تقطعت الأيادي تصفيقاً وهتف الحاضرون بأسمه .. وبقوا يصفقون على أثر خطبته ويتقاولون فيما بينهم بمميزاته ..
- سيتذكر التاريخ هذا الرجل، سيغير من خريطة العالم .
- إنه أعظم مَنْ ولدته امرأة، فليقودنا للأفضل ..
- سينظف العالم من الأوباش وعديمي الفائدة
- فليخلصنا من الأوغاد ..
قال أحد الحضور بصوتٍ جهير غطى على صوت مكبر الصوت :
- أنت الأفضل يا سيدي ..
فهتف الحضور جميعهم وبحنجرة واحدة " يعيش الزعيم " .
***
نظر من شرفته ليجد الغراب قد رحل عن عمود النور، ولمح أبنه يعبر الطريق قادمًا له، ما الذى دعاه للقدوم مبكراً اليوم؟!، إنه الجمعة يوم أجازته إذن، أجتاحت أبواق العربات أذنيه، وضايقه فشله فى العثور على أسم الفيلسوف، إثنان رأسي " زعيم يلقبونه بالسفاح لمسئوليته غير المباشرة عن مذابح الـ .... "
فكَّر بعقله قليلاً .. سفاح سفاح، ما أكثرهم هذه الأيام .. اللعنة عليهم!، ولماذا نتذكر السفاحين ؟ ألا يكفيهم إزهاق الأرواح ماضيًا .. سفاح سفاح .. مَنْ يا ترى ؟!
غلق الجريدة وأنهى قهوته على مضض، ثم ذهب ليفتح الباب .
* *
دخل الأبن الشرفة ومسك الجريدة يطالعها، لم يكن كوالده يأبه للطيور والزحام والمدينة، بل كان يفصل كل شئ عن عالمه، أحتنق وتفجر غضباً من مطالعة الجريدة، أوغاد كثيرون يلوحون له فى آفاق الصفحات ولكن الشهرة كانت لهم ... هل هنالك من يحب هؤلاء حقًا ؟
دخل عليه الأب الشرفة بوجهه المجعد وشعره الأصلع قائلاً بسخرية :
- ستصْلَّع مثل والدك، هههههه !
- اللوم لك ...
- أعطيني الجريدة لمْ أنه الكلمات المتقاطعة بعد .
- الجريدة تصيبني بالإختناق ولكني سأقرأها وأعيدها لك .
فقال الأب بسخريته المعتادة :
- سأتركها لك بشرط، أن تساعدني فى حل الكلمات المتقاطعة، فكلها معلومات تاريخية .
رد الأبن مازحاً :
- ألا يكفيك أصابتي بالصلع ؟؟
- ستساعدني إذن !
- لا بأس .
***
اليوم هو أحد أيام شهر سبتمبر، لقد نسيت التواريخ وفقدت الزمن ... كنت أصارع الظلماء وأرجو أن أصلْ للنهاية، النهاية فظيعة !، وصلنا لنهاية المقابر، الخفافيش تحلق فوقنا وهي آخر ما يقلقني ... أيجب علىَّ حقًا الدخول لهنا ودفن الوالد ؟!
رحمة الله عليك يا أبى ... تحسست صلعتي .. تلك هى الحسنة التى كلما نظرت لمرآة تذكرته بها .. كان رجلاً عظيمًا بحق ..
***
ما حدث فى يوم 23 سبتمبر ..
كانت الأم تُعْد القهوة لأخيها وبنتها اللذان تجمعا عندها فى البيت، لازالت بصحة جيدة، وجهٍ قليل السمرة وشعر ناعم لم يفقد حيويته وإن فقد سواده للرمادي ..
دخلت البنت عليها المطبخ وأمسكت بالكنكة من يدِ الأم المنهارة قائلةً :
- لا عليك أماه، الموت علينا حق، دعي القهوة لي ..
قالت الأم بفمٍ مرتعش حزنًا :
- المؤلم أن أخاكِ –والذي أعتاد أن يعيش معه- لم يذهب للمقابر ويجلس الآن فى البيت حالمًا متخيلاً نفسه أعظم الأبطال، أبني وأنا أعرفه، ساذج، تافه، حقير ... منه لله !
ندت عن البنت حركة من يدها دلالة الرثاء، ثم ربتت على كتف الأم قائلةً :
- لا عليك أماه، قد يكون فاقدًا للعقل من كثرة الحزن ..
- كيف يتسنى لنا أن نعرف دواخل قلبه !؟ سيفعل معي المثل ... والله أعلم ، ماذا لو مُتْ أنا وكنتِ أنتِ غير موجودة، هل يتركني أدفن فى العراء؟
- مع الأيام أماه، مع الأيام يتضح لنا اليقين ونستطيع الحكم على الأشخاص .
- ولكن كيف يتركه يدفن وحيدًا؟ أأذهب أنا منحشرة بين الرجال لأدفنه ؟
- كما قلت يا أماه لكِ، علَّه مشتد من الضيق بحيث لا يحتمل، دعيه فى غرفته وستبين لنا الأيام كل شئ ألم تقرأي كُتب التاريخ؟!، نحن نظلم الواقع ولا نستطيع رؤيته ولكن الذكريات لا تكذب، العقبى للصابرين يا أمي ... العقبى للصابرين ..
- وهل للبائسين صبرًا ؟!
- وهل لهم غيره !
2011/10/27
مصطفى سلامه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق