إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 20 مارس 2012

رضا مختار (نوفيللا)

رضـا مُـختـار

1

و للحقيقة علينا حقوق ، نعم للحقيقة علينا حقوق يجب ذكرها أليس كذلك ؟!

فإما أن تذكر الحقيقة كاملًة أو لا تذكر ، إنها لمعضلة .. أو لمأساة ، كله وراء هذا الباب ، لست أنا برضا مُختار فأحمد الله على ذلك ، و لكن أين رضا مُختار ؟ إنه القريب منى ، إنه هذا الشخص الذى يقبع .. فيما وراء الباب !!

***

مقتطفات من أقاويل المرثى له " رضا مختار " :

فى السنة الأولى :

" العمل على خير ما يُرام يا أمى و كله عال ، لا ، لا أظن أن المشكلة منه ، ما يصيبنى بالحنق و الحزن غيره .. غيره إطلاقًا ، ما هو ؟! ، ألا فإن علمت أطلعتك !! "

فى السنة الثانية :

" أخاف من المرض و الموت ، قد يكون خوفى من المرض أكثر لإنه مؤلم يأتى بعده موت ، أما الموت فهو كلكزة الإبرة فى الثوب .. سريع ، و لا تسألينى لمّه ؟ ، لا تسألى عن حال الخصلات الرمادية التى بدأت فى الظهور على شعرى و إزدادت هذه السنة ، أنا فى الثامنة و العشرين و أشعر أننى بدأت أشيخ على أى حال "

فى السنة الثالثة :

" لا تطلبى منى إجابات ، كفى ، فهى ليست معى و لم أمتلكها يومًا ، نعم إنى لمجنون و لكنى واثق من أن الشيخوخة ستأتينى هذه السنة ، تمامًا مثل هذه الجدة ، و عن العمل فقد نسيته تمامًا و لتديريه أنتى أو لتتخلصى منه فلا شأن لى به بعد ذلك و سأظل هنا فى البيت لن أخرج أبدًا " .

فى السنة الرابعة :

" كنت .. هناك .. هئ هئ .. فطلب منى إثبات شخصية .. هؤ هؤ .. إثبات .. ها ها ها ها " .

فى السنة الخامسة :

" ................................................."

***

قد تبدو لكم الأقاويل فى ترتيبها أن شخص مجنون قد نسجها ، لا أعرف الآن كيف ابدأ سرد الأمور و لكن هذا هو الحال !! ، أنا هنا معهم فى نفس المبنى الذى يقطنون به بالدور الرابع ، يقع بابى أمام بابهم ، و لكنى لم أدخل منزلهم قط ، و لا حتى مرة ، إلا حين علمت القصة ، قصة الجدة و الأم .. و رضا مُختار !! ، و حينما دخلته و تفحصته .. دارت بخلدى أفكار ، أفكار غريبة ، إستنتجت بإنه بمجرد دخولى و خروجى من المنزل ، أعنى فى هذه الخمس دقائق ، وصل لعقلى أغرب ما إستوعبه !!

كان رضا مُختار شابًا عاديًا لم يبدو أبدًا عليه أنه سيذهب إلى هذه النتيجة ، معذرةً لا ، لم يكن عاديًا إطلاقًا ، بل كان أمل كثيرين فى الحياة ، كان الأفضل بين ذوويه و أقرانه خلقًا و أدبًا و ثقافةً و إحترامًا و هناك ميزة أخرى لا أستطيع وصفها و لكنها قريبة من النبل و الذوق .

بزغ كالنجم فى الدجى حتى عشقه الجميع و ضربوا بها الأمثال فى مختلف المواقف ، و فجأة توقف عن العمل و جلس بالمنزل مدة خمس سنوات ، تحوّل مظهره من شاب وسيم جدًا ، بل خارق الوسامة بشعر بنى ناعم مسترسل و عين عسلية اللون و ذقن مشذبة بعناية و وجه أبيض مثلث الشكل إلى شيخ عجوز ، لا تندهشوا و لكنها الحقيقة .. شيخ عجوز ذو لحية بيضاء تمتد فى مختلف الجهاز كشجرة مقلوبة ، أما الشعر فتحول للأبيض هو الآخر بطريقة مجنونة و إمتد أشعث يشبه شعر الشحاذين من لا حول لهم و لا قوة بل كان أسوأ حالاً !! و العين قد إنطفئت منها روح الحياة ، و إفترش الوجه بالتجاعيد ، بإختصار كان فى الثانية و الثلاثين و لكن نطق مظهره بإنه شيخ عجوز فى أواخر الحلقة السابعة .

فلماذا ؟!

***

قد لاحظتم فى المقتطفات التى إخترناها من أقاويله تعكر مزاجه فى السنة الأولى بلا سبب واضح ، و إمتد التدريج حتى أمسى نادر الكلام فى السنة الخامسة معتقدًا حقًا بإنه مُصاب بالشيخوخة و مرض ألزامير " النسيان " و الخرف .

آه على هذا الزمان الذى أسى عليه ، سأحاول الآن شرح لكم ماضيه نوعًا من تأدية حق من حقوق الحقيقة علينا ، لنوضحها لكم .

***

شابه البيت زجاجة سوداء مغلقة ، لا هواء فيه و لا ضوء و لا أثر للحياة حتى أنه قد يتهشم – نتيجة ما به من ظروف خاصة – فى ثوانٍ . الوالدة و هى السيدة / بثينة تعمل فى شركة عالمية للمياة الغازية بمرتب رائع أما الوالد فقد ذهبت روحه حينما كان رضا فى السابعة من عمره ، و الجدة فى السابعة و السبعين من عمرها تُعانى من الشيخوخة هى الأخرى و المدهش فى الأمر أن رضا أصبح لا يتعامل فى حديثه – بشكل مباشر – إلا مع الجدة و كأن كبار السن لهم لغة خاصة يتعاملوا بها .

الجدير بالذكر هنا أن رضا كان عنيدًا من صغره ، فائق الذكاء حتى أنه منذ كان فى التاسعة شارك فى مسابقات المخترعون الصغار التى تنظمها بعض الجمعيات الخيرية بالتعاون مع وزارة التربية و التعليم ، و حينما كان فى الحادية عشر من عمره حاز على المركز الأول لإختراعه إنسان آلى بسيط يحمل الأشياء صعوداً و هبوطًا ، كانت مفاجأة حقًا أن صبى مثله إستطاع فعلها خصوصًا بتكلفة رخيصة ، و فى مصر نلاحظ ظهور إعلامى مفاجئ لشخصية بشكل شره لمدة أسبوع أو أيام ثم إختفاء قاتم ، هذا ما حدث مع الصبى رضا مختار حينها فإستضافوه فى مختلف البرامج ليتكلم عن إختراعه و كيفية إنجازة و طموحاته للمستقبل و كانت ردوده رائعة مٌبشرة بصبى يستطيع وحده حينما يشبُ أن يحسن من أحوال مصر !! ، و هكذا كُتب عنه المقالات و أوصل صوته الراديو و أظهر صورته التلفاز و الجرنال حتى أصبح من أشهر الشخصيات و لكن ما إن مر الأسبوع فلا حس و لا خبر ، كما قلنا ظهور مفاجئ و إختفاء مثله !!

و بعدها بستة شهور ظهر خبر صغير فى إحدى الجرائد من أن فريق من الباحثين المصريين بجامعة القاهرة أرادوا انضمام الصبى من باب التشجيع لرحلة سفرهم إلى مسابقة الإنسان الآلى التى تُقام بطوكيو و لكن مشاكل حول تكلفة السفر و الإقامة منعت الأمر ، ليخمد أى إهتمام إعلام برضا .

و من الأمور ما يصعب تصديقه ، ليس لإستحالته بل لصعوبة تصديقه و ندارته ، فمنذ الصف الأول الإبتدائى حتى الثالث الثانوى إستطاع رضا أن يحظى بمجموع واحد ( 100% ) لم يقل عنه و كان الأول على الجمهورية فى الثانوية العامة و حظى بتكريم وافر و إهتمام إعلامى مرة أخرى ؟! ، كيف إستطاع فعلها ؟! كما قلنا كان شديد الذكاء و من العادة أن يرى المجتمع الطالب المتفوق على أنه صاحب نظارة عملاقة و شعر غير مرتب و جسد إما بدين جدًا أو نحيف جدًا ، دائم التلعثم بالكلام بإختصار إنسان مُعقد فى كل شئ !

و لكن رضا .. لم يكن كذلك ، بل كان وسيمًا حسن القسمات ، يشبه أمه خاصًة فى تقسيم الجبين و الأعين و قد كان محبوبًا من الجميع و منذا الذى يستطيع كره شخص مثله ، شخص إقترب من الكمال ؟

فى الثانوية العامة فعلت أمه المستحيل لتقنعه بالمجال العلمى علوم و لكنه رفض ، و قد كان أغلب الظن وقتها أنه أراد المجال العلمى شعبة رياضة حيث أنه يشتهى الهندسة و إختراعاته البسيطة الأولية تشهد ، و لكنه إختار الشعبة الأدبية فى صرخة عارمة و تحدى سافر للجميع ، و بعدها إلتحق بكلية التجارة الشعبة الإنجليزية بناءً على رغبته ثم إستمر تفوقه لحين التخرج و رفض الماجستير أو الدكتوراه رغم أن الفرص كانت أمامه و رفض أيضًا مجالات العمل المعتادة ، كل هذا خطط له قبل الولوج إلى الثانوية العامة فكان يدرك تمام الإدراك أنه سيفتتح مشروع ينجح به و هذا ما حدث بالفعل .

بدأ بمحل للملابس فى منطقة نائية ، و لن أدخل فى تفاصيل كثيرة و لكن قد يقول البعض على ما حدث للمشروع و لحال رضا بعد ذلك أنها ضرب من ضروب الحظ و آخرون سيقولون إجتهاد و عبقرية أما النتيجة فهى واحدة .. ألا و هى أنه أصبح من أهم رجال الأعمال فى فترة قصيرة جدًا ، فى سبع سنوات فقط أصبح من أصحاب الملايين بطرق مشروعة ، و لم يتزوج حتى الآن ، بدّل رضا محل إقامته فترة من الوقت و لكن ما إن لازمه المرض الغريب فى السابعة و العشرين حتى قرر العودة لمنزل أمه !!

***

2

بحثت عن صورة الكشف ، إرتطمت يدها بالمفاتيح و بعض الأشياء حتى عثرت على ورقة رقيقة ، هى إذن ، وقفت بإزاء رجل إتضح فقره الذى يخفيه بملابسه حتى قال لها – عندما أعطته الكشف - :

- شكرًا يا مدام ، إستريحى الآن .

كان تكره العيادات و هى الآن بواحدة منهم . ذلك الإحساس الذى يوحى بالمرض فى مكان المفروض أنه يشفى المرض ، بينما تنظر فى مرآة و قد ملّها الإنتظار لاحظت خصلة شعر سوداء إنزلقت من حجابها فعدلتها سريعًا ، و قد جلس بجانبها امرأة عجوز و زوجها الذى بدا أنه يُعانى لكبر سنه ، لاح لها الآن ( التمرجى ) و هو يقول :

- مدام / بثينة عبد الحليم ، تفضلى .

ذهبت للدكتور مباشرةً ، كان أصلع الرأس أنيق ، يرتدى بدلة سوداء لا معطف أبيض ، تكره الأطباء بطبيعتها لسبب غامض ، أيًا كان فهم سر الشفاء على الأرض بعد الخالق .

- أهلاً مدام بثينة ، لاحظت أن المريض هو رضا مختار ، أين هو ؟!

هكذا قال هو بنبرة لم تخلو من الخيلاء !! ، فردت :

- هو إبنى ، أبى أن يخرج من المنزل ، هل يمكن معرفة رأيك حول ماهية ما به من مرض ؟

- أتذكره الآن ، يبدو لى أنه لا يُعانى من مرض فى المخ ، لا أبدًا أنا واثق ، رسمة المخ عنده سليمة 100% ، أمره عجيب ؟ ، نظرتك مليئة بالحسرة يا مدام و أنا لا أحبها ، فلتعلمى أن كل شئ بإمر الله ، ليس به أى مرض عضوى لذا لا أتوقع أن يموت هذه السنة كما يدعى ، و علميًا أمامه من السنين الكثير و الكثير ، و لكنه يحتاج لتغيير الأجواء و الطب النفسى .. ضرورى يا مدام .

- و لكن يا دكتور ، لقد أصبح يهملنى ، و لا يكلمنى كثيرًا و يرفض النزول من المنزل بتاتًا قد جئت به إليك بالمرة السابقة بصعوبة بالغة ، أنت لا تتخيل ، أحيانًا أشعر بإنه يدّعى المرض .. فلا أصدق بإنه يقول و ينسى ما قاله ، و يفعل و لا يشعر بما فعل .. ساعدنى أرجوك .

- مدام ، حاولت فى حالتك بإقصى جهد ، و لكن .. آ آ ، ليست إختصاصى الآن ، عليك و على الطبيب النفسى !!

***

رحلت بثينة من عند الطبيب و لم يزد على خيبة أملها مقدارًا جديدًا لأنه لم يكن أول طبيب و لم تكن هى بالمتفائلة لتتوقع سماع كلام آخر .

عادت للمنزل و دخلت الزجاجة السوداء المغلقة ، البيت مظلم تمامًا و لا صوت يعلو فيه ، إثنان به مصابان بالشيخوخة الجدة و الإبن – هكذا يظن – و الأم تُعانى معهم هم الإثنان وحدها .

و بينما تطهو الطعام فى المطبخ ، حاولت أن تسترق السمع لإى شئ يجرى بالخارج فى الصالون – حيث يجلس رضا و الجدة – و بعد إنتظار طويل سمعت صوت الجدة الحاد كنصل السيف يقول :

- كانت أيام يا دُرية .. ما أروعها أيام .

سعلت بشدة ثم أكملت :

- مشى فى حاله ، أتت السيارة و دهسته ، هكذا بكل ببساطة ، هئ هئ ، يا لها من أيام .

ليس هنالك جديد ، عجوز و خرفاء ، تجلس على كرسى الصالون ليلاً نهارًا بل أحيانًا أيام بحالها ، تأكل الوجبات عليه و – فى الغالب – تنام عليه ، بقى لها سنة أو سنتين فى الدنيا هكذا يظن أعتى المتفائلون !!

أنهت الأم تحضير الغداء و وضعت الوجبات أمام كل واحد بالمنزل ، بعد الإنتهاء كان عليها أن تُعانى ألم و مشقة الحديث مع رضا ، فيجب أن تطلعه على ما قاله الطبيب اليوم و من أنه يجب عليهم زيارة الطبيب النفسى ، كان تدرك بإنه لن ينظر فى عينيها و هى تتكلم أو و هو يرد عليها و كان ذلك أقصى ما يصيبها بالكآبة .. ، و قبل أن ننسى علينا أن نقول بإن الأم حتى هذا الوقت أبت تمامًا الذهاب و الإعتماد على الطب النفسى لقناعة خاصة منها بإن ما بإبنها لا يعالجه الطب النفسى فهى تظن بإنها أفضل من أى طبيب نفسى لمعالجة إبنها ، و أرادت فى البداية التأكد من عدم إصابته بألزايمر أو أى مرض للشيوخ المبكر ، ذهبت له و كل هذه الأفكار تصتك بلبها و قالت بنبرة لا يختفى فيها إنفعال :

- نصحنى الدكتور بإستشارة الطبيب النفسى ، هل ستأتى معى غداً ، رضا ، أجبنى و لا تدعى أنك مُت ، أنا أمك هل تفهم ؟ أنا أعرفك أكثر منك ، رد علي و كفاك مضيعة للوقت .

زمجر رضا بفمه مقطبًا حاجبيه مديرًا وجهه بعيدًا عنها و فى عينيه غضب واضح ، فإبتعدت الأم عنه و بينما تذهب لغرفتها سمعت صوته و هو يصدح بالمكان :

- ألن تفتحى الستائر ؟ ، اللعنة على هذا المكان ، منزل عقييم و عالم مجنون .

ثم إلتفت للجدة و قال بنبرة هادئة :

- و أنتِ ، حديثينى عن أيام درية !!

كان مما يميز البيت ستائره القرمزية التى تحجب نور الشمس ، كما ذكرنا البيت مظلم ليلاً نهارًا و فى هذا التوقيت ، أعنى فى الرابعة عصرًا تخلل شعاعًا للشمس هاربًا من الستائر للبيت ، كان رضا يلاحظه و يتابعه أيّما ملاحظة ، هو شخصًا لم يغادر المنزل منذ خمس سنوات إلا بضعة مرات ذهابًا و إيابًا للأطباء ، و الآن يمقت الخروج من البيت مُقتًا رهيبًا ، و فى حين جلوس رضا على كرسى الصالون ذى اللون القرمزى أيضًا سمع صوتًا و هو يتابع ضوء الشمس الهارب ، و قلما تستمع لصوت فى هذا البيت :

- أصبحت لا أطيق هو أبنى فى الأول و الأخير ، و هى أمى و لا يفارقنى شعور أننى سأصبح مثلهم لا محالة .

كان صوتها كالنحيب و لا يخلو من الأنين :

- مسكين ، هذا الولد مسكين ، كان أمامه مستقبل باهر يا عائشة ، أقسم لكى كان سيصبح شيئًا كبيرًا فى يوم من الأيام ، لا أعلم ما السر ؟! هل للحسد مثلاً هذه القوة ؟! لا أعتقد أن له هذا التأثير .. ، نعم ذهبت لعدة أطباء للمخ أطلعونى بإن المشكلة نفسية .. كيف ؟؟ رضا أمسى لا يكلمنى فى عينى بل يرسل إلى الكلمات من وراء ظهرى ..

علا صوت نحيبها و بكاءها حتى غطى على المنزل و من أكثر ما يؤلمك رؤيته فى هذا العالم بكاء الأم خاصًة حينما يكون صادقًا :

- لا ، .. لا أستطيع الحديث الآن يا عائشة ، أشكرك لكلمات عزاءك و لكن ما أظن أنى لى عزاء ، أعلم أن الله كبير و حكمته تفوق أى شئ ، و لكن لا أرى أى بشارات للأمل .

أخذت شهيقًا و زفيرًا بصوت عالى لتستطيع التحكم فى صوتها :

- كله بيده ، مع السلامة يا عائشة و شكرًا لسؤالك .

وضعت السماعة مكانها ناهيًة المكالمة .

***

حينما حلّ عليهم المساء ، خرجت بثينة من غرفتها فرأت الجدة ساكنة فى صمت رهيب على كرسيها المعتاد تتابع بعينيها السوداوين شئ مجهول ، أما رضا فكان يجلس أرضًا واضعًا رأسه على كتفه الأيسر جاحظ العينين .. ، جلست بثينه نحوه و وضعت يدها على ركبته قائلة :

- لما لا تسمعنى ، أنا أمك و أكثر العالمين بإنك خالى من الأمراض ، لا أريد أن تُـحتجز فى مستشفى للأمراض العقلية حتى الموت ، عليك أن تحاول أن تشفى نفسك بنفسك و إلا لن يكون أمامى حلاً آخر .

نظر نحو الأرض و زفر بقسوة ، فأردفت هى :

- حالك ترثى له أشد القلوب قسوة ، فلماذا يا بنى ؟! ، إنزل للشارع و إختلط بالناس يجوز حينها أن يعود للعقل صوابه !

قاطعتهم الجدة قائلًة :

- ذهبوا الثلاثة مع درية و تركونى وحدى بالدار ، فأتى محمدين يعتذر لى و لكنى لم أسامحه أبدًا ، لأنه ذا رأس صلب ، ها ها ، لن يتغير أبدًا ، الله يمسيكِ بالخير يا درية .

قالت الأم : ( ما ردك ؟ )

تأخر الجواب .. ، فلم تجد مفر من أن تضربه بكتفيه و تقول :

- أجبنى ، ما ردك ؟ .. سأجن يا الله ( قالتها و هى ترحل ) ، سأفقد صوابى ، أصبحت لا أطيق .. لا أطيق الحياة ..

و عادت نوبات البكاء و الأنين تنجلى من غرفتها .

***

لم تنم بثينه هذه الليلة ، أصابها السُهاد ، ظلت ساهرة تُفكر فى مصير رضا و كيف آلت الأمور إلى الحال الذى هى عليه الآن ؟!

تراءت لها بين ظلمات الغرفة و هى واضعة رأسها على الوسادة كافة تفاصيل حياتها .. أصبحت تكلم نفسها .

أنظرى إليه الآن ، ما هو بإبنك ؟! ، كيف يكون لى إبن أشيب الشعر و شعرى لازال أسودا .. ، و كل ما أريد أن أجنى من إجابات هو لماذا ؟ .. لماذا تحول الحال ؟

فلتعودى أدراجك .. ألا تذكرين ما قاله :

" سترى بنفسك ، إن نزلت من البيت لا أستطيع العودة ، تمامًا مثل هذه الجدة ، فقد أصبحت أنسى هل تفهمين .. ؟ أنسى كل شئ ، حتى أسمك أحاول قدر الإمكان ألا أنساه و لكنى سأنساه ، أنا أشيخ يا أمى أسرع من السابق ، لم أعد ذلك الفتى و لن أعود " .

هذا ما قاله لى فى سنته الرابعة ، قبل أن يدخل المرض لذروته ، مستحيل ما يحدث ، حتى لو كُتب علي أن أعيش بين عالم من الأطباء سأفعل و لكنى لن أتقبل الوضع .. ، شعره أشيب و ذقنه طويلة و وجهه مليئ بالتجاعيد ، و لكنه إبنك ألا تفهمين ؟ كيف أنسى هذه الحقيقة ؟ لا ، لن تستطيعى النسيان و ليت النسيان سلعة تباع و تشترى .

فجأة لاح لبثينة جسم أسود يتجلى على عتبة الباب بين زرقة الليل كشبح مخيف فصاحت هى :

" رضا "

لم يتحرك الجسم و لم تنبت عنه أى حركة ، كان كالتمثال فى ثباته فصاحت هى مرة أخرى بصوت يكاد ينسف الزجاج :

" رضااااا ، رضاااااااااا ، لا تفعل بى هذا أرجوك ، قد عذبتنى بما فيه الكفاية ، أنت وحدك سبب بؤسى و شقائى فى الحياة ، آهٍ على الزمان إن أنقلب على أصحابه السعداء !! "

بعد كل هذا الصراخ لم يتأثر الشبح و ظل جامدًا ، هى رسمة إنسان و لكن الظلام لا يظهر أى شئ ، بدأت بثينة تشعر بقلبها و هو يدق كالمطرقة ، تملكها الخوف و إبتلعت ريقها بصعوبة ، و فجأة إختفى الجسم ، لم يرحل بالتدريج و لكنه إختفى مرة واحدة كما لو أنه شبح حقيقى .

***

عند شروق الشمس ، يواتيك شعور بإن كل شئ أصبح جديد ، قرص جديد لينير العالم ، هواء منعش طازج ، شجر يهلل لإحياءه مجددًا بعد مماته فيتراقص طربًا مع الرياح ، هكذا هو الشعور الذى ينتقل بتلقائية للإنسان فيشعر و كأنه هو الآخر جديد ، و لكن فى هذا البيت لا جديد ، فضوء الشمس لا يدخل ، و لغلق النوافذ لا تستطيع أن ترى روائع الطبيعة من شجر و لا حتى تحسها من رياح و هواء ..

كل هذا كان يدور بخلد رضا ..

رضا مختار ..

***

ذهبت بثينة لتغسل وجهها حيث تحرك العقرب نحو السادسة صباحًا ، فى الطريق لمحت الجدة و هى نائمة على الكرسى لا تتحرك أقرب للموت منها إلى الحياة ، فذهبت للمطبخ بعد ذاك لإعداد الفطور للثنائى و أنهت مهمتها بنجاح ليحين إنتظار زينب و الذهاب إلى العمل . قد أغفلنا عن ذكر زينب فى السابق ، زينب هى فتاة فى السادسة عشرة تعمل على رعاية الجدة و رضا فى أثناء عمل بثينة ، و هى دميمة جدًا تكاد تطابق الرجال و ترتدى دائمًا جلباب مزخرف بالورود و تضع حجاب أسود بإهمال .

حينما أتت زينب لم يكن الحال بمختلف عن كل يوم فرحلت بثينة لروتينها اليومى رغم عدم نومها بالليلة السابقة و لكنها لم تكن المرة الأولى ، على أن رضا كان السبب لأغلب الأحوال فى إصابتها بالأرق .

***

إنتبهت بثينة لنفسها قليلاً ، تجرعت فنجال من القهوة ، ثم آخر ثم آخر ، أى ثلاثة حتى تستطيع تأدية عملها بنفس المعدل الطبيعى ، تناست رضا تمامًا و أنغمرت بالعمل محاولًة بذلك تفادى الواقع المؤلم ، و بينما كان يناقشها زميل لها فى العمل حول أسلوب الدعاية الجديد الذى من المفترض إتباعه رنّ جرس الهاتف ، فرفعت السماعة لتجد شخصًا يقول :

- مدام ..

صوت أنثوى يبكى .. :

- مدام ، أنا زينب ، هل الأستاذ / رضا كان بالمنزل حينما أتيت ؟!

ردت بثينة بتلقائية و قلب يكاد ينخلع من بين الجوانح :

- نعم ، طبعًا ، م .. ماذا حدث ؟

- مدام ، أقسم لكى ، أ ، دخلت المنزل ما إن تركتيه ، ظللت بالمطبخ لدقائق منتظرة أن يصحو و يحضر أ/ رضا و لكنه لم يظهر اليوم على غير عادته ، فإضطررت إلى فتح باب غرفته .

كلما قالت زينب تفصيلة جديدة إزداد العرق على جبين بثينة و إزداد إحساسها بالبرودة تسبح فى عروقها . أطرقت زينب :

- لم أجده ... إختفى ، و الله وحده يعلم أننى لم أراه منذ أتيت للمنزل ، لقد رحل قبل أن أجئ أغلب الظن !!

حدقت بثينة عيناها فى ذهول تام ، سقطت السماعة من يدها و جسدها قد تصلب بكامله و ببساطة فقدت الإحساس بكل ما حولها ، فصاح بها الزميل الجالس بإزائها :

- مدام بثينة ، ما بكِ ؟! ، هل كل شئ بخير ؟ مدام ، لما لا تردى علي ؟!

إستعادت صوابها و إحساسها بالعالم على نحو طفيف فقالت :

- على الرحيل الآن للضرورة .

- و لكن .. ، ماذا ؟ .. ماذا حدث ؟

تجاهلته و رحلت مسرعة .

***

عادت بثينة إلى المنزل بلهفة لم تواتيها من قبل ، ظلت تسب و تلعن فى زينب ، إزداد شعورها بالغضب لدرجة لا تصدق ، أصبح وجهها أحمر اللون و قد تكاثف على عقلها بخار ساخن ناتج من قلبها الذى أمسى كالمرجل !!

حتى سكنت و سكتت و هدأت الثورة ، زينب تبكى و المدام تُحاول الجلوس على الكرسى و لا تستطع من قمة ما بها من صدمة ، و الآن لا صوت بالمنزل ، فعلا صوت الجدة فجأة :

- دنيا ، يالها من دنيا ، مساكين يا دُرية و الله ..

ثم سكت الصوت بالمنزل ، و سيظل البيت صامتًا برحيل رضا بعد ذلك، حتى الأم لن تنطق به ، و الجدة ستظل تلقى بشذراتها غير المفهومة .

***

3

تلامست أقدامه مع الأسفلت فى إحساس جديد و غريب ، بل و عجيب و ياله من إحساس . شعر بقدمه مشلولة عاجزة عن المضى قدمًا رغم أنه لم يخطو سوى خطوتين و لكن هيهات أن يعود ، كانت الشمس فى مشرقها ، فى بداية مشرقها و الطرق أقفرت من البشر كما لو هجر بنوا آدم الدنيا بحالها ، لمح عربة حمراء مارة تعالت منها أصوات المنتشين بالخمر و هم يصدحون و يسخرون منه ، أحس بشبابه المنطوى فى الزمان الأول يعود له أخيراً ، شبابه الذى زعم أنه سيسترده بمجرد ملامسة قدماه للأرض ، فقرر أن يعبر الشارع و فعلاً دق بعكازه على الأرض و ظل يخطو ببطئ و عبر حتى الرصيف ثم للجهة الأخرى فى مدة تقاربت من الخمس دقائق !

و بدأ إنتظاره بلوعة ، إنتظار يخشى أن ينكشف أمره فيه عن طريق نزول شخص من العمارة ، و لكن أخيرًا عبرت حافلة و الإتجاه كان للجيزة ، لم يتردد رغم أنه لا يدرى ماذا سيفعل هناك ؟ صعد إلى الحافلة فلمح امرأة عجوز و فتى متسخ المظهر ، لم يُطلب منه الأجرة على أن كل ما قاله الكمسرى آنذاك :

- معاك فلوس يا حاج ؟؟
- كم الأجرة لو سمحت ؟
- إثنين من الجنيهات
- تفضل

أخرج ورقة بمائة جنيه و أعطاها إياه فى وسط دهشة من الجميع ، و بصعوبة إستطاع تجميع الباقى له من مال .

بعد نصف ساعة إزداد عدد الركاب حتى ملؤا الحافلة ، و ما إن مرت ساعة أخرى حتى إنتهت الرحلة ، فنزل من الحافلة فى الجيزة – التى لم يكن يعلم عنها شئ – كآخر من ينزل و تسند على رجل حتى يستطيع ملامسة الأرض مرة أخرى .

ظل يهيم على وجهه فى الثامنة صباحًا فى بداية فصل الخريف حيث ورق الشجر لم يسقط كله بعد ، و قد رأى شارعًا غريبًا عنه كل الغرابة و لكن لا لن يعود .

تكاثف حوله الساخرون و لكنه ما يلبث أن يدير وجهه يمنة و يسرة علامة على عدم الرضا .

صار له الآن ساعتين ساندًا على عكازه يتمشى بلا أى هدف سوى هدف واحد ، هو رؤية الناس لعل فى رؤيتهم معرفة لأفكارهم و لكنه وجد أنهم لم يختلفوا عما مضى و كأن الخمس سنين ذهبوا هباءً ، إنتهى الشارع الكبير الذى كان فيه بميدان واسع فقرر العبور للجهة الأخرى و لكن المشكلة أن العربات مسرعة و قدميه لا تسعفانه ، أين الشباب الذى شعر به فى البداية ؟

- أأساعدك على العبور يا حاج ؟

هكذا قال أحد طيبى القلب ، فوافق من فوره و تم العبور له ليكمل طريقه بالشوارع الجانبية بعد أن ملّ من الرئيسية و ياله من إختلاف . لم يجد من الساخرون الذى كانوا فى الرئيسية أحد بالجانبية ، بل رأى شوارع مليئة بالمساكين و الفقراء و الذين لا يسعوا إلى شئ ، كانت شوارع فقيرة مليئة بالمعدمين لا يوجد بها أى لمسة جمال ، فالشوارع ترابية صلبة و ليست أسفلتية ، و الناس أنفسهم أصحاب ملابس متسخة ، أما الروح .. روح المكان وحدها ينبثق منها جمال خلاب تشعره و لا تراه .

تعالت أصوات الباعة الجائلين من ذوى الجلابيب و العمّة ، و التعب يقرص عليه بطريقة لم تأتيه فى حياته كلها ، فى هذه اللحظة لمح كرسى فارغ على مقهى فأتجه له مسرعًا ساعيًا إلى بعض الراحة .

جلس على كرسى خشبى حقير و هو يئن ، ظل وقتًا يتابع قراره و يُفكر فى والدته الآن هى عرفت بفعلته لا محالة ، ماذا إرتسم على وجهها حينما عرفت ؟! هل ستمضى بحياتها كما لو فقدت شئ غير ثمين ؟! هل ستعانى ألمًا ؟ هى فى كلا الحالتين – بقاءه أو رحيله – تعانى ألمًا ، و قد ظن أن ما مخلوق فى دنيا يعانى ألمًا مثلما يُعانى هو .

- ماذا أجلب لك ؟

- ينسون بعد إذنك ..

- هل معك مال ؟

فإغتاظ رضا وقتها و قال زاعقًا :

- قلت ينسون ، كيف أطلب و ليس معى مال ؟!

- آسف يا حاج .

رحل النادل ، و ظل رضا يُفكر فيّمن أمامه من الناس ، لعلهم مساكين حقًا و لكن أى منهم – هو أم هم – يعانون ألمًا أقوى ؟ بالطبع هو ، لأن الألم الفكرى و النفسى يفوق الجسدى ، هكذا كان ظنه .

- يخيَل إلي أننى رأيتك من قبل ، أنت حاج عبد الباسط أليس كذلك ؟!

أتاه هذا الصوت من عجوز أنيق ، يرتدى بدلة رمادية اللون بها بعض المربعات البرتقالية الخفيفة أسفلها بلوفر أحمر وقميص أبيض و قد ظهرت البشاشة على وجهه حيث تكاثرت التجاعيد ، كان يضع نظارة كبيرة سوداء اللون و ظهر شاربه الأبيض من أسفل أنفه ليعطيه شبابًا قليلاً ، أما شعره فمشطه للوراء و كان ناعمًا منتظمًا رمادى اللون ، رد عليه رضا :

- لا ، لست عبد الباسط .

- إذن فأنت مثلى ، مللت الإنتظار بالمنزل و قررت الإنتظار خارجه .

كان يتحدث بنبرة الفيلسوف ، فرد عليه رضا بتلقائية :

- إنتظار من ؟

فأجاب العجوز و هو يرفع حاجبيه و يهز راحتيه كالواثق :

- الموت !!

أحدثت هذه الكلمة ثورة عنيفة فى صدر رضا و لكنه تجاهلها فى رده و قال :

- بل أنا لست من هنا ، أنا من بعيد ، بعيد جدًا ..

- كبار السن أمثالنا يعرفون بعضهم ، و أنا لست مثل هذا النادل ، و أتيّقن بإنك لست بفقير .

- إلى ماذا ترمى ؟

فكرر الرجل الكلمات بإندهاش :

- إلى ماذا أرمى ؟؟!! ، أنظر لنفسك فى مرآة ، ترتدى لباس يخص المنزل لا الشارع ، منظرك متسخ تمامًا أو ليس متسخ بل يدل على إهمال النفس ، أنت بالتأكيد تنتظر الموت إنتظاراً و تسلم به .

لاحظ رضا حينها أنه يرتدى بنطالاً قطنيًا أزرق و قميصًا من نفس اللون غطاه بلوفر أبيض و وضع على رأسه قلنسوة يظهر من تحتها شعره الأبيض الأشعث و تمتد ذقنه فى مختلف الجهات ، إنه حقًا يهمل نفسه إهمالاً مذريًا و يالهذا العكاز السميك ، إنه فى الثانية و الثلاثون ، كيف هذا بحق السماء ؟ وجد رضا يقول بتلقائية للعجوز :

- كم عمرك ؟

- هئ هئ ، أصغر منك بطبيعة الحال .

- أقسم لك أنك ما بإصغر منى .

- أنت فى الحلقة السابعة – آخرها – أما أنا فى أوائلها ، ها ها ، ألست مصيبًا ؟

- لا ، بل أنا فى الثانية و الثلاثون و لكن مظهرى ينطق بإنى أكبر .

إنفرجت أسارير وجه العجوز الذى ما إن تقابله مرة واحدة حتى تدرك أنه خفيف الظل و يتمتع بروح الدعابة ، أو أصبح لا يأخذ شيئًا على محمل الجد ، و هو الآن قد باعد ما بين حاجبيه و قال :

- حقًا ؟ ... اللعنة على الزمان .

شعر حينها رضا بإنفراجة فى نفسه ، السر الذى ودّ إطلاعه على جميع من رآهم فى الشارع منذ أن نزل أخيرًا واحد أدركه ، بل و صدقه ، و المهم .. و الأهم أنه تعاطف معه .

لعل هذا التعاطف يحوّل خلصة شعر واحدة من الأبيض للبنى مجددًا ، جاء النادل حاملاً الآنسون ، ثم وجد رضا أن العجوز يريد قول شيئًا فنظر له فوجده ينظر للأرض ساخرًا و هو يقول :

- عجوز يهوى الكذب ، هاهاهاها ، ليتنى مثلك .

قال رضا بإنفعال و غضب :

- ما أنا بكاذب ، فلتحترم نفسك ، قد أكون الرجل الوحيد الذى لم يكذب قط .

- خسارة ، ظننتك مثلى .

إزداد غضب رضا ، فدق بعكازه على الأرض و غادر المقهى دون أن تمس شفاهه الآنسون و رغم ذلك وجد النادل فى آثره يقول ( الحساب يا عم ) ، كان يظن أنه يسرع و لكن خطاه بطيئة فوجد أنه لم يبتعد عن المقهى خمسة أمتار !! ، أعطى النادل خمسة جنيهات و أكمل طريقه رغم أن الآنسون كان بجنيه و نصف .

***

شمس الظهيرة تؤلم الرأس ، أولاد آدم يؤلموا الرأس ، كل شئ فى الحياة مؤلم و مقيت ، و أين تذهب الآن ؟ رفضوك و كذبوك فى كل مكان بل أنت نفسك كذبت نفسك يا مغفل ؟ ليتك تتحول إلى جزيئات من الهواء حتى تتحرك بخفة و رشاقة و تسبح بين الكواكب و النجوم .
و ماذا جنيت فى حياتك ؟ سعيت وراء كل شئ و لم تجنى شئ ,

خفت من الموت فتحولت إلى عجوز أشبه بالخيال منه إلى الواقع ، أنت شاب كررها لنفسك لعلك تعود إليه .. ، و كيف ينطبق المثل " ليت الشباب يعود يومًا " على من أهو أجدر منك !

ظل يمضى هكذا ( مفكرًا ) فى الأمور ، مدة نصف ساعة ، يحوم بعكازه فى الشوارع فى نفس المنطقة التى حول المقهى و لا يدرى لما ؟! و فجأة توقف حينما وجد شئ يستحق الوقوف ، فتاة خارج إحدى المحلات القريبة من المقهى ، هى معجزة فى الجمال ، قمة الجمال الأبدى التى ما إن تراها تظن أن مثل هذا الجمال لن يخلق مرة أخرى ، كان يبحث عنها فى الماضى و وجدها الآن ، وجه ممتلئ بالسعادة و الهدوء بإبتسامة دائمة ، شعر أصفر اللون ينسدل بنعومة على أكتافها ، تقاسيم وجه رقيقة و دقيقة يُحال على فنان مهما بلغ خياله من جمال أن يصل له ، ترتدى بلوزة وردية اللون و ( جيبة ) طويلة حتى أصابع القدم بنية اللون .

آه على هذا الجمال ، و ذاك الجسد الرشيق ، يجب أن أتحدث معها ، هكذا كانت تخبره نفسه :

- أ ، أ أ أ ، ... ، أقصد ، أهلاً .

ظل يتلعثم هكذا أمامها ، و هى تنظر إليه و تضحك ضحكات مكبوتة ، ثم قالت :

- كيف أستطيع خدمتك يا أبى ؟

- لا ، لا تقولى أبى .. فأنا أصغر مما أبدو عليه .

- هل تريد تصوير شيئا يا ( أستاذ ) ، ( أستاذ ) مناسبة لك ؟ ، هئ هئ ..

هكذا تضحك ضحكات مكبوتة و هى تكلمه .. ، و نفسه تتلاعب بالفرحة ، و قلبه يتراقص على أنغام البهجة ، و ها هو يجد ما بحث عنه لسنوات ، لاحظ أنه فى محل لتصوير المستندات فأعطاها صورة له قبل أن يبدأ المرض و هو فى الخامسة و العشرين قائلاًُ :

- هذا أنا ، أريد تصوير هذه خمس نسخ .

قالت :

- أوه ( ضحكت قليلاً ) كنت وسيمًا جدًا و أنت صغير ، دعنى أصور لك يا أستاذ .

هذه ما هى بشرية ، ولا تستحق جنس البشر ، يالروحها الظريفة و وجها الحسن ، كادت أجزاءه تنفك من جسمه كالرمال و تقع أرضًا من كثرة ما يدق قلبه .

- تفضل

- شكرًا لكِِ ، يا .. ما أسمك ؟

- نورا ، نورا يا أستاذ .

كلما قالت أستاذ تضحك ، و هو يكاد يسقط أرضًا ، لا لن يغادر ، ليبقى هنا طوال حياته حتى و لو عاش متشردًا يأكل من صفائح القمامة .

تمشى قليلاً و هو يفكر فى عينيها العسليتين التى تشابها أعين الأطفال فى براءتها و طيبها و تأثيرها فى القلوب ، بتلقائية عاد للمقهى و رغم حالة النشوة التى هو بها رسم تقطبية مصطنعة بيد أنه لمح العجوز لايزال جالس ، فجلس على نفس الكرسى السابق يراقب الفتاة ، كلما خرجت من المحل و ظهر إنخلع قلبه ، و حينما تدخل يفكر عقله و يتخيل ، و العجوز بجانبه لا يتحرك و لكن وضح عليه أنه يكبت شئ بداخله حتى قال فجأة بصوت مرتفع :

- آسف يا عم ، مالك قاسى القلب هكذا ؟ ، و لكنى كنت أدرك بإنك ستعود .

- هل تصدقنى إذن ؟!

- هل تريد أن أصدقك ؟

تجاهل رضا السؤال ، ولى وجهه إلى الفتاة ثم أشار بإصبعه و قال :

- من هى ؟!

إبتسم العجوز بخبث و مرح و قال :

- نورا ، لا تقل لى أنها أعجبتك ، أمثالنا يروا الجمال الحقيقى و يستمتعوا برؤيته و لا ينالوه .

- إنها أرقى من أن تكون بشرًا ، لا ينقصها سوى جناحان فتطير كالملائكة .

- أنت شخص غريب .

كانت روح رضا محلقة فى ملكوت من السعادة ، تناسى كل ألامه فى لحظة و وجد نفسه يقول للعجوز .. :

- قل لى يا ... ، ما أسمك ؟

- عبد الباسط ، هاهاهاهاهاها، كنت حاول مداعبتك فى البداية ، أنا عبد الباسط .

قهقه رضا ، قهقهة لم تأتيه من الزمن الغابر و قال :

- و أنا رضا ( مد يده للمصافحة ) ، قل لى الآن ، هل هناك سكن هنا ، لا يتعدى العشرين جنيه فى اليوم .

- أترى هذا الرجل الذى يقرأ الجرنال ( أشار بإصبعه لرجل سمين ) هذا هو الحاج هشام ، سمسار المنطقة يجلس هنا طول اليوم و يستطيع تلبية طلبك .

ذهب رضا للحاج هشام ، و بدون الدخول فى تفاصيل الإتفاق فقد إستطاع رضا الحصول على شقة مفروشة بخمسين جنيهًا فى اليوم ، تقع فى الشارع الخلفى للمقهى بالدور الأول ، مساحتها 70 م2 ، ملائمة جدًا ، غرفة النوم رغم إهمال تأثيثها إلا أنها مناسبة أيضًا ، و بها سيقضى رضا أسبوعه الأول خارج المنزل من خمس سنين .

***

فى هذا الوقت ، كانت بثينة تبحث عن أى صورة لنشرها بالجريدة و لكنها لم تجد أى صورة له بهيئته الجديدة ، فكل ما وضعت يدها عليه كانت صور له و هو شاب – أو حينما كان ينطق مظهره بالشباب – أما الآن فلم تجد ..

فكرت فى نشر الصورة القديمة بإعلان المفقودين و لكن .. إرتأت بإن ذلك سيكون من العبث .

***

لم يكن بالشقة الجديدة ما يستحق الوصف زيادة على وصفنا ، ذلك لأن رضا لم يمكث هناك أغلب الوقت ، بل كان يجلس على المقهى مع عبد الباسط ، و يذهب ليغازل نورا و يعطيها نفس الصورة – أكثر من مرة فى اليوم – لتصورها له و قد ظنته أنه عجوز مرح ، و فى يومه الثانى ذهب رضا لنورا للمرة الخامسة تقريبًا و قال :

- خمس نسخ من فضلكِ .

- أستاذ رضا ، لما تعذبنى معك ؟ لا تحتاج لسبب لكى تتكلم معى ..

كانت تعتبره بمثابة الأب ، أو الضحكة التى تأتى فى وقت الكآبة فتفكها ، أما هو فقد تشجع جدًا حتى أنه نسى نفسه تمامًا و وجد تلك الكلمات تنزلق من على لسانه :

- هل يمكن أن تتزوجينى ؟

ردت عليه بلهجة مرحة :

- أنت الوحيد الذى يضحكنى بصدق .

- كم عمرك يا نورا ؟

- خمس و عشرون .

- إذن فأنا أكبر منك بسبع سنوات فقط .

ما وجد من فمها إلا ضحكة عالية مرددة مرة أخرى : ألم أقل لك أنك الوحيد الذى يضحكنى .

فتركها و عاد لعبد الباسط الذى نشأت بينه و بينه نوعًا ما صداقة أولية ، فقال له :

- من هى ؟

- ألم تسأل مسبقًا ؟

- من هى ؟ لماذا لم تتزوج إلى الآن ؟

- لا أحد يعلم ، كل المنطقة تريدها و هى لا تريد أحد .

أعطاه ذلك بصيصًا من الأمل ، نعم فى يوم من الأيام قد تميل ناحيته ، مهما طال الأمر سيسعى لذلك ، وجد عبد الباسط يسأله :

- ألن تثبت لى ؟

- ماذا ؟

- أنك صغير السن بالفعل ، كم قلت لى .. عمرك الحقيقى إثنان و أربعون .

- لا بل إثنان و ثلاثون .. هذا ما قلته لك .

- ما شأن هذا الشعر الأبيض إذن ، و الذقن ، حتى وجهك .. ممتلئ بالتجاعيد ، و أسفل عينيك سواد مدكن .

- هل تريد الإثبات ؟ أنظر لأسنانى ، بيضاء و لم أفقد و لا حتى جزء منهم ( قال ذلك و هو يمسك بأسنانه ) .

لم يبدو على وجه عبد الباسط أى تغير فقال :

- هذات طقم أسنان ، أليس كذلك .

- فلتمسكه .

مسكه عبد الباسط و قال :

- لا زلت لا أصدق ، و لا أكذبك أيضًا و لكنى أريد أن أعرف لماذا ؟ ماذا حدث لك ؟ ، قد تكون حافظت على أسنانك .. أيًا كان أرجو منك أن تثبت لى أنك شاب ، أو تشرح لى كيف أصبحت كذلك .؟

- و لماذا تهتم بى هكذا ؟

- أستاذ رضا ، بك مميزات كثيرة فى خلال يوم و نصف قضيناهم معًا لاحظتها ، و لكن سرعة البديهة لا أظنك تمتلكها ، أو تمتلكها فى مواقف شتى و لا تمتلكها معى ، من الواضح أنك لا تهتم بى ، و لكنك لو دققت النظر ستلاحظ أنى أيضًا أحمل سرًا معى ، سرًا كالذى تحمله ، ألم تفكر قبلاً بإن مرضك يمكن أن يكون منتشرًا و أن هناك من يمتلكون سن حقيقى و سن ظاهر .. ، ألم يدور بعقلك الألمعى أننى مثلك ؟! ليس سنى كما ينطق مظهرى .. !!

لو توقف الوقت إلا عند رضا ، لكان توقع كل الإجابات المحتملة إلا هذا الجواب ، هل حقًا مرضه يُعانى منه هذا العجوز ؟ أحقًا هو ليس بعجوز ؟ أعطاه ذلك بعض العزاء ، أخيرًا شعر بإنه ليس شاذًا فى المجتمع أو حالة فريدة ، بل هناك من هم مثله .. ، إذن فإن الرجل لم يكن يهتم به من البداية من باب اللاشئ ، هذا العجوز – أو عبد الباسط – ذكى ، مشتعل الذكاء و قد شاخ سريعًا هو الآخر و لهذا السبب – و لذكائه الخارق – إستطاع معرفة رضا من البداية ، معرفة أنه مريض مثله ..

توقف تفكير رضا قليلاً و نظر لعبد الباسط و قال :

- غداً .. ، سأقص عليك كل شئ غداً و سأثبت لك أنى فى الثانية و الثلاثين و لكن عليك أنت أيضًا أن تقص على ما حدث معك .

قام رضا من على المقهى لأنه تذكر مهمة عليه تأديتها قبل الغروب ، ظل يسرح بين الشوارع باحثًا عن بدلة أنيقة ، لم يجد ما يريد فى البداية و لكن أخيرًا عثر عليها فإشتراها بمبلغ خمسمائة جنيه ، و وجد أن كل ما تبقى معه من مال حوالى خمسمائة جنيه أخرين و لكن القلق لم يكن ليصيبه من ناحية المال أبدًا ، فقد بدأ رحلته بمبلغ يقترب من الألف و ثلاثمائة أو ألف و خمسمائة هو ذاته لا يعرف بالضبط !!

فى اليوم الثالث له ، كان مظهره مختلفًا حتى عبد الباسط لم يعرفه فى البداية ، فترك ثوب المنزل الأزرق فى البيت ، و إرتدى البدلة الأنيقة ، و شذب ذقنه قليلاً و أرجع شعره للوراء حتى بدى عجوزًا أنيقًا . داعبه عبد الباسط فى البداية و لكنه لم يجلس معه كثيرًا حيث ذهب لنورا بعد ذلك و قال :

- أنت جميلة جدًا ، هل تعلمى ذلك ؟

- أنت لطيف جدًا مسيو / رضا ، مسيو أفضل بإعتبار أنك أصبحت فى قمة الأناقة ، تشبه ممثلى السينما هاها ، صغرت عشر سنوات على الأقل .

- هل تصدقى الآن أنى فى الثانية و الثلاثين .

فنظرت له بإخلاص ثم قالت :

- أنا أصدق أنك رجل نبيل و مرح ، و بإننى نادمة لأنك جئتنى متأخرًا ، لو كنت أمامى فى هذه الصورة القديمة ( تلك الصورة التى يعطيها إياها كل يوم ) لتزوجتك .

قالتها باسمة.

***

جلس بجانب عبد الباسط ، و بدأ عبد الباسط الحديث :

- ألن تحكى لى يا رضا .. ؟

فقال رضا بلهجة من أصابه الضجر لتذكره حقيقته :

- ماذا تريد أن تسمع ؟ ، قصتى ، سأقول لك كل شئ و لكن بإختصار ، كنت فى السابعة و العشرين واتتنى أفكار غريبة من أنى أعيش حياتى عبثًا ، فقد عشت للنجاح و عشت للمال و عشت لكل شئ و لكنى لم أحوز السعادة و راحة الضمير ، إنتابتنى حالة نفسية غامضة ، خفت من المرض و الموت ، خفت من الموت جدًا ، كنت أعيش فى جحيم فخوفى من الموت غشى على كل تفكيرى و كل أوصالى و جوارحى ، شعرت بإنى سأموت صغيرًا ، سنة أو سنتين هم الباقيين لى ، وجدت شعرى يشيب و ذقنى ، أهملت الدنيا تمامًا ، جائتنى مرحلة الشيخوخة – بل كنت أدعى أنى مصاب بالشيخوخة – كنت أدعى النسيان أمام أمى ، لا أعرف كيف حدث كل هذا فى فترة قصيرة ، ظنوا بإن ما أتانى هو مرض من أمراض ألزايمر ، و لكنى واثق بإنه لم يكن كذلك ، أنا أريد الموت ، لهذا حدث ما حدث – هكذا أظن – و لكن الآن .. أشعر بشئ يشدنى للحياة .. ، قد يكون الحب أو العزاء ..

سكت عبد الباسط لحظات ثم :

- يالله ، هذا أغرب ما سمعته .

- أنت صبرتنى على حالى ، ألست مثلى ؟ أحكى لى أنت أيضًا .. أرجوك ..

- سأقوم الآن للمنزل ، قصتى تختلف ، و غداً .. غدًا تعرف كل شئ ، ألم تفعل معى ذلك ؟

- أطلعنى على عمرك الحقيقى فقط ... أرجوك

- غداً

***

ذهب لنورا فى اليوم الرابع متناسيًا عبد الباسط ، قال لها كل ما قاله لعبد الباسط فى البارحة ، و لكنها .. تغيرت كلية ، تغيرت ملامحها .. شيئًا ما أصابها بلا شك .. قالت له :

- أشعر بالضجر .. ؟

- ممّ ؟

- منك ، يئست منك ، ظننتك عجوز مرح ، عجوز لطيف ، و لكنك لا تختلف عن الجميع ، طماع .. أنت طماع ، تطمع فى كل شئ و تهوى الأكاذيب .. ، لماذا تجيئ يوميًا إلي ؟ كل هذا لتطلعنى على بعض الأكاذيب لأميل إليك ، لن أميل إليك ، أنت مثل أبى هل تفهم ؟ كفاك أكاذيبًا .. أرجوك .

لم تخلو فى قسوتها من الجمال و اللطف ، و لكن الآن .. ، إنتهى سبب تعلقى بالحياة ، إنتهى كل شئ ، تريد الموت .. فلتذهب له بقدمك فضلاً من أن يأتيك !!

حتى الحب الذى كان سببًا وحيدًا للتمسك بالحياة قد ذهب ، الآن سيأتيك الموت ، شعر حينها بدوار يعتريه فجأة فذهب للمقهى بخطى مسرعة ، جلس بجانب عبد الباسط الذى قال له :

- عدت كما رأيتك فى أول يوم ، لماذا إختفت الإبتسامة و حلّت التقطبية مجددًا يا رضا .

- ألم أكن صادقًا معك ؟ أنت تصدقنى صحيح ؟

- أصدقك يا رضا .

- فلتنفذ لى مطلبى .. أرجوك ، و لا تسأل لماذا ؟ فقط نفذ ..

- ماذا تريد ؟

- أرجوك ، أتوسل إليك ، أعثر لى على أى نوع سم الآن ، الآن ، يئست من الحياة ، أنت لا تدرى كم الألم الذى أتلفح به ، لم أعد أطيق ، لا شئ باقى لى ، الألم أقصى من العيش به ، أنهم يقتلوا الحصان ما إن يصاب بمرض يؤلمه .. ، و أنا مثله .. الموت أفضل من الحياة ، أرجوك .. ( مسك يد عبد الباسط و الدموع تنزل من عينه الكئيبة المريضة ) بالله عليك يا عبد الباسط لم أعد أطيق .

صمت عبد الباسط و لكن رضا ظل يُلح و يُلح ، لم يجد عبد الباسط مهربًا ، غاب دقائق عن المقهى ، أعطاه كيس به مادة بيضاء و قال ( أنت أفضل صديق عشت معه يا رضا ) .. ثم أردف :

- أرجوك ، فكر فى أنا ، أنت الوحيد الذى صبرنى على الحياة ، أنا أيضًا أحمل الألم و لكن لا محالة من الإنتظار .. ، قاوم .. قاوم يا رضا ..

- الألم يختلف ، مستمر معى منذ خمس سنين ، و قد صبرت ( قالها و هو يصب السم فى كوب من الشاى ) و لن أستطيع مزيدًا من الصبر .

تجرع رضا السم و بعد دقائق ... رحل .

***

4

عدنا إلى النقطة التى كنت أطلعكم عليها فى البداية ، تلك النقطة التى عندها كان يجب أن أذكر الحقيقة ، أتى لى شيخ عجوز و طرق باب منزلى ، كان يرتدى نظارة و يسرح شعره للوراء و يرتدى بلوفر زيتى اللون و بنطال رمادى و بدا على وجهه الشجن و الحزن ، قال لى :

" أين الست بثينة ؟ "

رددت :

- للأسف هى فى العمل الآن و ستعود فى الرابعة عصرًا .

- هل تسمح بإن تعطيها هذا الجواب ما إن نصل ؟ للضرورة القصوى .. ، و قل لها أن تتصل بى ، و إن سألتك عنه قل لها موضوع يتصل بإبنها رضا .. ، سلام عليكم .

ذهبت فى الرابعة و النصف عصرًا للمنزلهم حينما عادت بثينة من العمل ، المنزل كئيب حقًا كما وصفناه ، مظلم منطفئ الأنوار ، أدخلتنى و جاملتنى طالبًة منى الغداء معهم – هى و الجدة – و لكنها ما إن قرأت الجواب حتى تغيرت ملامحها تمامًا ، و أخذت تبكى بحرقة .. ، و ما إن هدأت قليلاً طلبت منى أن أقرأه لها مرة أخرى بصوتٍ عالى .. حتى هذه اللحظة لا أدرى لماذا طلبت منى ؟ و لكن ما قرأته غيّر حياتى و نظرتى للأبد ، قرأت فى البداية تفاصيل تعرفونها عن قضاء رضا أيامه خارج المنزل .. أما الباقى فكان :

" أقسم لك يا سيدتى أنه ظل يلح علي إلحاح لم أراه فى شخص من قبل ، و أنا رجل عجوز لا أحتمل الإلحاح ، و آنّى لى ألا أستجيب له ؟ فقد أراد سمًا لقتل نفسه ، و قد تجرعه مع كوب من الشاى و خرجت روحه ، و لكنى لست غبيًا لأساهم فى قتل نفسًا بشرية .. فقد وضعت له سكر مطحون بكيس شفاف مدعيًا أنه سم .. و لكنه تجرعه و مات .. ، حينما مات صدقت فقط أنه كان بالثانية و الثلاثين .. ، فى هذه اللحظة فقط يا سيدتى علمت كيف عانيت أنتى ؟! كان الله فى العون .. ، أود أن ألقى بكلمات عزائى و لكن لا عزاء لى و لا لك .. ، فأنا أيضًا كذبت عليه حينما أدعيت أننى صغير السن مثله ، و لكنى رجل عجوز فى الخامسة و السبعين ، أقسم لكى بإنى أكتب هذه الكلمات و الدموع تلاحقنى .. ، ما أود قوله بإنه ترك لى عنوانك قبل أن يرحل فى ورقة كى تستلمى الجثمان .. ، و حتّم علي بإنى أجئ لكى و أعانى ، يجب أن تأتى أيتها الأم التى عانت ما لم تُعانيه أى أم ، لندفنه سويًّا ..

مسكين رضا .. مسكين ، أرجو أن تتقبلى عزائى مع علمى مرة أخرى بإنه لا عزاء لكلينا ، كل شئ بيد الله ، لم أصدق قصته إلا حين مات .. ، إلا حين تأكدت بإنه أراد الموت فى أعماقه أكثر من أى شئ " .

***




بقلم / مصطفى ســلامه .. 11/10/2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق