إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 21 مارس 2012

العقبى للصابرين (1) - الدخيل (قصة قصيرة)

الدخيل


فى هزيع الليل الأخير تُخيِّم على الصحراء نسمة رطبة ومناخ رقيق وقتما تَعبَّقت الأركان بسحرِ أرض كنعان فى ليلها المثالي للساهرين، وتبقَّت أربعة أعين ساهرة فيما لبثت عيون المدينة فى سباتٍ عميق، تلك المدينة العربية الواقعة بأطراف الشام وهي صغيرة الحجم جدًا بها قليل من الأرض المعشوشبة وأخرى مزروعة، وسوق صغير مطلةٌ على البيداء، اتخذ الساهران من نقطة صحراوية خارج المدينة بعدة أمتار مكانًا مفضلاً لتبادل الأحاديث، "جابر الراعي" و"محمود السقاء" الأول يسهر على غنمه والثاني أسهدته الحياة وتوسط مجلسهم خشب يحترق بهوادة فيبعث الضوء والدفء وصوت الخشخشة بين سكون الليل التام.

 يبدأ الحديث دائمًا باطلاق "الراعي" لأخباره التى جمعها طول يومه ولم يكن يدري "السقاء" أن عند الراعي ما يكدر الصفو:
- قُتِلَ أبو الطيب، رحل عن العالم أبو الشعر والشعراء !

أندهشت أسارير وجه " السقاء " وتلعثم لسانه ولوهلة شعر أن الدنيا تحتضر فاستطرد "جابر" :

- أتاني بالخبر صبي صغير قدم مع القافلة التجارية اليوم، يقولون قد مرَّ على موته أسبوع من الآن ...

تأوه "جابر" وصمت لبرهة ثم حكى لصديقه القصة كما سمعها وذَيَّل نهايتها ببيت المتنبي القائل :
(لا بِقَومي شَرِفتُ بَلْ شَرِفوا بي -- وَ بِنَفسي فَخِرتُ لا بِجُدودِي)
وبقيا يتجاذبان أطراف الحديث باستماتة كي يمصا دماء الليل وينتهي اليوم الحزين ويعثرا على خيطٍ للنوم .

- ستلد امرأة عبد الله الحسن خلال أسبوع قادم، وسيخطو الأمير قرب مدينتنا غداً ، ويرشح البعض أنه قد يقدم ليطمئن على أحوال الزراعة والرعية ولكن الكثير يصف زيارته بالشرِ المحتوم.. أو خير فمن يدرى؟!

وظل "جابر" يلقى بالأخبار على صاحبه إلقاءً محاولاً قتل الليل بالسمر والحكي وتناقل الأراء ولكن أي فائدة؟! طفا المتنبي مجددًا على سطح الحديث بقول " محمود السقاء ":

- الأوغاد !!، تالله لئن رأيت طرفًا منهم لأثخنته بسيفي حتى تبرز الأحشاء ..
يرد "جابر"  :
- سنتغنى بشعره حتى الممات، وحسبى أن هذا هو البصيص من الأمل ، ولئن ..
سكت جابر عن الكلام فور رؤيته ضوءًا خافتًا يظهر عند المدينة بين الليل المتسع فى لا نهائية الدجى، ولمَّا لاحظ السقاء الضوء قام قائلاً: (أنتظرني أيها الراعي هاهنا! )، وانطلق راكضًا بإتجاه الضوء الخافت، ليبقى "الراعى" وحده بين الرمال وأصوات الغنم البسيطة التى ظلت ساهرًة من القطيع، مر الوقت متسللاً ليصاب الراعي بالملل، فالوحدة فى البيداء تجعل من الإنسان أضحوكة الهواء والثرى والصمت المريب. أنبعث ضوء جديد بجانب الأول وأوضح منه، وبعد برهة ظهر ثالثهم ! فأقامت لظى الفضول والرعب فى صدره تكويه كياً، أين السقاء وأين أخباره ؟! .. تعددت الأنوار بالمدينة بالعشرات والسقاء غائب والقطيع موجود فهل يتركه لينتقم من الفضول والقلق ؟! وحينما نقل له الهواء صوت جلبة لم يتردد فقام مسرعًا بإتجاه المدينة.


***
ولمَّا وصل عند الضياء وجد الخلق مجتمعين حاملين مشاعل الضوء أمام دار عبد الله الحسن وهو من أشهر تجار المدينة وكان فى أبهى حُلة دمشقية رآها جابر، وجهه قمحاوى اللون بسمرةٍ خفيفة، كثيف شعر الرأس والذقن والحاجبين، لكأن الملامح العربية كلها انحصرت فى وجهه.


 من العجيب حقًا أن يجتمع هذا الجمع لأجل مولود جديد ولكن جابر حديث العهد بالمدينة لم يكمل ستة أشهر ويحتاج للسقاء كي يشرح له العادات والتقاليد، سرح بين الوجوه حتى وجده فلكزه فى كتفه زاعقً
ا –كي يسمعه بين الضوضاء- :

- أين الأهمية فى ولادة امرأة، إن المدينة كلها فاقت من نومها لهذا ؟!
- هناك شرٌ منتظر، وحسبي أـن يكون الشيطان نائماً فى مثل هذه الساعة !

كان الضجيج يزداد علوًا ويزداد معه صعوبة السمع، لم يستمع "السقاء" للراعي وهو يقول (ماذا تقصد بشرٍ مُنتظر؟!) وبدا على "السقاء" الانشغال التام فوجد جابر نفسه بين معمعة من الضوضاء والزحام، حتى انطبق الصمت على الأفواه فجأةً، وخرج صراخ المولود من بينهم عجيباً غريباً، سيأتى الأمير بعد قليل فهل يعتبروا الولادة خير مقدم له؟!، قال "السقاء" لنفسه بصوتٍ مسموع (أستر يا ستار)، فكرر جابر سؤاله بسذاجة: (لماذا تجمعت المدينة كلها؟)، أجابه محمود بوجهه السارح : (فلتلذْ بالصمت، فالدهر يقتل فضول الصابرين!).

 دخل عبد الله الحسن داره ببطء ووقف الخلق منتظرينه بالخارج بمشاعلهم التى أضاءت الليل والسكون فى حالة ما بين القلق والرهبة ولم يزل جابر مندهشًا كما هو، معتقداً أن الواقع الذى يعيشه من حكايات خرافة !

***

اعتلى صوت البكاء -للطفل أو الطفلة- المشهد، ومن وراءه استمعوا لصوتِ عويل أنثوى، انفتح باب الدار وانبلج عن عبد الله الحسن كان متجهمٌ غليظ القلب وفى يده حمل المولود ضئيل الجسد الملفوف بخرقةٍ بالية، ولماذا العبوس يا عبد الله ؟!، تعالت الضوضاء مرة أخرى من جراء همسات البشر، وانطلق عبد الله الحسن بوجهه المكفهر مسرعًا إلى المجهول فتبعه الخلق بين ثنايا الظلام، أتت فرصة حقيقية لجابر كي يقترب ويرى المولود ولكن الخوف أعجزه،‍ أمسك "جابر" بجلباب "محمود السقاء" ليوقفه ويسأله عمَّا يحدث ولكن كانت المحاولة عبثًا فالسقاء ذهنه يدور فى عالمٍ آخر.

 رحل السقاء ليلحق بمقدمة المسيرة خلف عبد الله الحسن، كاد عقل جابر أن يضيع منه بين أمواج الخوف وطلاسم المشهد وغياب "السقاء" عن الكلام، فمدَّ خطاه قليلاً ليلحق بصاحبه ووجد نفسه دون أن يشعر بجانب عبد الله تمامًا واستطاع –صدفًة- أن يلمح المولودة فأنفجر قلبه حنانًا ورقةً ... لقد كانت أجمل ما رأى من بشر أو جماد، وقال فى سره ( سبحان مقدرتك يا ربي، خلقت الكون فى ستة أيام، وخلقت هذه الجميلة فى يوم!! سبحانك يا ربى) وكاد قلبه يطير مما أصابه من رقةٍ وحنان، بنت شقراء ذات عينين زرقاوين ولم يدر مِمَ عَرِف وقتها أنها بنت؟! ولكن رؤيتها تكفي... سأل السقاء بلهجة لطيفة :

- أوليست أجمل من الجمال ذاته؟! ماشاء الله، تُرى أي اسمٍ يصلح لها ليسميها به ؟!
- محظوظ عبد الله، يقول أنه ما عرف شعرًا أصفرًا فى عائلته فأقنعه الصالحون أن جده كان أشقر ذي أصل أعجمي، أتعرف يا جابر أحس هذه المرة أنه سيأخذ الصغيرة عند الشيخ مسعود ليباركها !
اتسم "محمود السقاء" فى لغة حديثه بالاختلال طيلة الوقت، وحينما سأله جابر عن الشيخ مسعود قال :
- ألا تعرفه؟! هو أكبر من فى المدينة، أعتزل للعبادة وقارب عمره أن يلتحم ما بين القرن ونصف القرن!

توقف أخيرًا عبد الله عند نخلة كان تحتها يقبع عجوز يغطى شعره الأبيض الأشعث جبهته وتتدلى لحيته حتى صدره، وضع عبد الله الصغيرة بجانب الشيخ على الرمال ولم ينطق العجوز بحرفٍ واحد ثم رفع عبد الله يده اليسرى ونظر نحو الخلق قائلاً : ( إشهدوا يا قوم، هذه الجميلة الشقراء ليست من صلبي ولا من صلب "يعرب بن قحطان" أبو العروبة والعرب) .
إذن فلا مفر، التاجر قد عزم أمره وستهدى البنت للثرَى ! وستجرى عملية الوأدِ أمام أعينهم جميعًا، أعين مستسلمة خائبة وأيدي لا تملك شيئًا، حتى ذوي العقول النيِّرة تقاولوا بينهم بمثل : ( لهو ذو قوة عشرة رجال فكيف نمنعه؟!) ( إنها ابنته فما شأننا نتدخل؟!) ( فلتكن مشيئة الله ) .

وفعلاً بدأ عبد الله بحفر حفرة مستخدمًا راحتيه الضخمتين، ولازال الفجر بعيدًا والشمس غائبًة، وودَّ جابر لو ينتشل الطفلة من على الأرض ويركض بها فى خلاء الصحراء فلا يتتبعه أحد ولكن الخوف من العواقب أوقفه من طرف جلبابه وبماذا يدرُ لنفسه فعلٌ كهذا إلا الجنون ؟!

وبخفة مستعذبة تناولت يدا عبد الله "الصغيرة" فلطخ التراب قماش اللفة الأبيض وبوجهٍ صامت ممتلِئ بالقناعة قابلت وجهه العبوس، لكأنها كانت تعلم أي مصير ينتظرها ؟! وُضِعت فى الحفرة فلمْ نرَ بعد ذلك شيئًا ولم نستمع سوي لضحكة –أو شبه- أنتهت ببكاءٍ فور أن أُسْقِطَت عليها ذرات الرمال، ويبدو أن حبات الرمل اقتحمت فمها سريعًا فعدنا لا نسمع شيئًا من صوتها الرقراق، وبعد أن أنتهى عبد الله وردم عليها تمامًا نظر إلينا بوجهه المكفهر متفوهًا ببرود: (انصرفوا لمضاجعكم، لنْ تروا المزيد!، سأبقى هنا حتى النهار كي أتيقن من مفارقة الروح )

ما عُرِفَ عبد الله بالجنون ومع ذلك لم تك هذه أول عملية وأدٍ لبناته ففعلها مع السابقتين لها ولهذا السبب وحده كانت المدينة كلها تنتظر الأمر؛ فمنذ العصور الغابرة لمْ يأد أحدهم بناته الجميلات إلاه وكأنه كان يرفض هدايا القدر أو لكأن الوأد عند العرب عادةٌ لن تنقطع !؛ هكذا تنامت الحكاية لعقلِ جابر، وفكر بداخله أيفعل هذا بدافع المقت أو المقة؟؛ لئن انزعج من إصابة القدر له ببنت جميلة فيكون مقتٌ ولئن استعصى عليه تحمل المسئولية كانت بالطبع مقة، إن العرب خضاعون لمشاعرهم واهمون لا يدركون من أين تأت الأفعال؟


أدار الكل ظهره ورحلوا ببطء لدورهم، وبقى السقاء والراعي يسيران بهوادة وبَغتةً انفجر" الراعى" ضحكًا بلا سبب ظاهر وانفعل فى ضحكه لعهدٍ لم يره صاحبه من قبل، فاستشعر السقاء بما وراء هذه الضحكة من الحسرة وقال:

- العقبى للصابرين إذا صبروا.

بقى محمود وجابر يسيران الهويني عائدين لما كانا عليه عند القطيع، وانطفأت المشاعل واحدًا تلو الآخر ليختفي الضوء مطلقًا على الأرض، فأكتسح الظلام العالم حتى فى أعلى، وكأن النجوم انطفأت وأدار القمر وجهه صوب كوكبٍ آخر، رباه ... ياله من ظلام .



مصطفى سلامه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق