| تاريخ الكتابة | ( 5/11/2009 ) |
| العنوان | بحـرًا من الغيـوم |
| النوع | قصة قصيرة |
" بالطبع عندما أصل لهناك فلن أجد رفعت و لا هادى فليس من شيّمهم القدوم فى الموعد ! "
هكذا كان طلال يُحدث نفسه و هو يخرج من باب عمارته ملتقيًا بالشارع .. ذاك الشارع القابع فى إحدى المناطق الشعبية و قاطع حديثه مع نفسه صياح ( بائع البطاطة ) فنظر أمامه ليجد نفس المشهد الذى إعتاد الإستغراب له يوميًا .. تلك الشجرة التى تتوسط الشارع فتقسمه نصفين و لا يدرى من أين أتت ؟ و كيف لها ذاك الطول فتكاد تصل فروعها للدور الخامس ؟!! و على أى حال فقد عبرها و نظر يساره فرأى مقهى مستتب على ناصية الشارع و فجأة وجد نفسه ينظر لرجل عجوز قد حوّل الزمان شعره للأبيض و لم يستطع نيل منه شيئًا آخر فالصحة و الجسد كما هم فى عهد الشباب و قد كان العجوز ينظر لطلال بغرابة فأزاح طلال نظره مسرعًا عن العجوز ، و قد خالجه عقله بسؤال لماذا النظرات مع الغير دائمًا ما تحرجه بل و كأنها تعذبه ؟! أليست هى نظرة عابرة !! و لكن أحيانًا تعبر بسلام بالفعل و أحيانًا تلسعك !!
نظر طلال لمنزل الأستاذ الذى كان يقصده و أشارت له نفسه بإن ينتظر ريثما يأتيا رفعت و هادى أصدقائه الوحيدين الذين خرج بهما من الدنيا !
و قد حضر فى البداية هادى بإناقته المعهودة و رغم حاله الذى يستحق الرثاء بعدما عرف طريق الخمر و الحشيش فى مثل هذه السن من المراهقة إلا أن كوّنه أبن أحد أعظم أثرياء البلد لم يخفى عن أى غريب يراه للمرة الأولى فكل شئ به ينطق بإرستقراطيته .
تبادل الصديقان السـلام و شرعوا فى الطلوع لأستاذهم بعد فقدان الأمل من قدوم رفعت فى موعده فصعد طلال بغية المنفعة أما هادى تفاديًا لكلمات الأستاذ الجارحة حال تأخرهم .. و بينما هم على عتبة باب المنزل سمعوا صوتًا لاهثًا راكضًا على السُلم فأدركوا بسرعة أنه رفعت .
مرت ساعتين إلا قليل لهادى و رفعت فلم يستوعبوا شيئًا فالملل و ذلك الإحساس بعدم الجدوى كانا كفيلين بإجبارهم من الداخل على ألا يفهموا بل و ألا يحاولوا أصلا ! أمام طلال فشدّ إنتباهه كل معلومة قالها الأستاذ و لم يفت منه سوى القليل فى إستيعابه مما سيقبض عليه بقبضة عقله مرة أخرى عندما يذاكر دروسه بالبيت .
و عندما هبطوا من عند الأستاذ إلى الأسفل أراد رفعت أن يُداعب طلال و تركيزه فقال لهادى :
- أراد الأستاذ أن يشرح لطلال شيئًا مفيدًا اليوم و لكن الموقف أشبه بتعليم قردًا الألمانية .
فرد عليه طلال و لكن فى داخل عقله و صدره " و ماذا يحتاج إبن الثرى من العلم ؟ فمستقبله مصون حتى و إن لم يشاء .. بينما الآخر فهو الغبى الذى يتحدث عن أحلام فارغة فيظن بإن الدنيا ستأتى له تحت قدميه طالبة له المجد و هو إن أراد فليقبل متواضعًا !! " .
و لاحظ طلال رفعت و هادى يتحدثان و رغم أن صوتهما عالٍ إلا انه شعر بإنهما يتهامسان لإنشغاله بحواره مع نفسه و عدم تركيزه معهم فنظر لهما و وجد هادى يقول :
- دائمًا تفضل عدم كثرة الكلام كأنك خجول حتى معنا .. لماذا لا أدرى ؟
هذا لإن نفسى أفضلها عن الحديث منكم يا بُله ، و ترجم طلال كلامه :
- أحبذ التفكير فضلاً عن الكلام فليس من شيّمى الخجل كما تحسبون ، هذا كل ما فى الأمر !
و رد عليه رفعت :
- و لماذا كل هذا التفكير و كل تلك المحاولات للفهم أما أدركت بعد أن العلم لن ينفعك ! فلن يجلب لك المركز المرموق أو المال و نحن مجتمع لا يرحم !
من أنت لتتكلم عنى هكذا أو عن العلم .. إنك مجرد خبيث ثعبان .. تسعى لحاجاتك فقط دون الآخرين .. و تمهل طلال قليلاً فقال بهدوء :
- حسبى أن العلم هو كل شئ فهو الذى سيجلب لك ما تريد ، أتدرى بإن المواطن المصرى يقرأ كتابًا فى السنة .. أما الأوروبى ثلاثون بينما الإسرائيلى أربعون ، و يسألونك عن تفوق الغرب!
فباغته هادى :
- كنت أفضل سكوتك عن هذه الفلسفة المعتادة .
فضحك رفعت و أدّعى طلال الإبتسام ، و أخرج هادى علبة سجائره و أعطى رفعت واحدة و لم يخطر بباله الإعطاء لطلال فلم يعتاد هذا الفتى تلك العادة . و رأى طلال نوع علبة سجائر هادى كما تعود أن يراه يشترى إثنين منها يوميًا فأندهش و قذف إندهاشه لعقله بفكرة فأرتطمت به إرتطامًا أحدث دوّيًا داخل نفسه و صوت هذا الدوىّ " أتدرى بإن هذا فائض الفائض من أبيه كل تلك الأموال ما هى إلا فائض الفائض .. إن مصروف جيبه فى الشهر الواحد قد يحل أزمة سكن لشاب !! " .
فقرر طلال العودة لبيته فودعهم و هم يهمّون بركوب سيارة هادى و كان يأبى أن يوصله مفضلاً المشى ليعطى نفسه مساحة من الكلام مع نفسه فسرى بوجهه المستطيل و بشرته السمراء و شعره الذى أندمج لونه ما بين الأسود و الأصفر الغامق إلى شارعه .
و بينما يكاد يبلغ أول الشارع حتى لمح عن يمينه شخص يحملق فيه فجذب عيونه برفق ناحية اليمين .. و شعر حينها بشئ يلدغه إنه نفس الرجل العجوز ذو النظرة الخارقة .. فالعينين الحادتين أسفلهما سوادًا خفيفًا و الحواجب سوداء ثقيلة و ذاك الشارب المنقسمة ألوانه ما بين الأبيض و الأسود و الشعر الأبيض الغزير الناعم و الوجه المقطب دائمًا كل ذاك كان كفيلاً بإن يفزع طلال !
عبس طلال فى نفسه و رسم على وجهه لوحة عدم الإكتراث و سرى فى طريقه غير مبالٍ و عندما صعد للمنزل فاجأه وجه أبوه الغاضب الذى يقول " تأخذ الكثير منى لعلك تفلح " .. و أكمل طلال فى رسم لوحة وجهه و مضى لغرفته و ظل يتألم فهذا الأب أسوء مثال للأبوة و أقسم مع نفسه بالله بإنه لن يفعل مع أولاده مثلما يفعل ذلك الرجل !!
***
إنتهت أمتحانات المرحلة الثانية من الثانوية العامة أخيرًا . و أصبح لكل طالب حق الحرية فى تصرفاته ، فيطير كما يشاء و تشاء له الأهواء و فى هذا اليوم المبارك لهم لم يعد أحدًا لبيته فخرج الأصدقاء الثلاثة مع مجموعة من الفتيات كان رفعت و هادى قد تعرفوا عليهم و جلبوا معهم طلال بحق الصداقة .. أو بحق تناسق العدد !!
و تقاسم هادى و رفعت الجميلتين بينما حظى طلال بمتوسطة الجمال غير العابئة بإناقتها كان أسمها عائشة و كان طلال كارهًا لها رغم انه لم يعلمها و لكنها بدت له سطحية التفكير و هو يريد واحدًة مثل زوجة الكيميائى بيير كورى التى ساعدته على إكتشاف البلونيوم و الراديوم ، أو ماريا الإيطالية .. ، أما هذه فلا تفقه فيما يريد من النساء شيئًا و بينما هم جالسون خارج السينما إستعدادًا للفيلم حدجته عائشة بنصف نظرة إعجاب قائلًة :
- أتعلم بإن صمتك يعجبنى رغم غرابته .
فرد طلال و لكن فى نفسه أولاً " و أنت لا يعجبنى فيك شيئًا قط " .. فرد عليها :
- أحب التفكير اكثر من الكلام .
و حاولت الفتاة أن تستميله لإى نوع من الحديث لعلها تدرك شخصيته و لكنه جاراها فى بعض المرات و الأخريات بدا كالحائط أمامها .
و فى تلك الليلة بعد أنتهت نزهة الأصدقاء عاد طلال لبيته و لم يدرك العجوز الجالس على المقهى كما تعود ألا يجده فى الأيام الماضية و تسائل أين هو ؟! و رد عليه صوتًا آخر فى نفسه و لماذا تهتم ؟! .. ، و رن جرس الباب .. ففُتّح الباب و رأى طلال وجه مليئ بالأعاصير و العواصف و ربما البراكين التى توشك على الثورة .. فأتت ثورة من الشتائم و السباب البذئ تفترسه من كل ناحية و أكثر ما حزّ فى نفس الفتى شتم أمه المتوفية و لم يدرك طلال من الوجه السكران سوى كلمات " كنت فين يا أبن الكلاب ؟! " و رغم أنه أطلعه صباحًا على سبب تأخره الليلة و لكنها آفة الخمر !! و كان طلال يأخذ الكلام من أذنه على صدره فيصرخ بأعلى ما فيه و لكن صراخًا داخليًا لا يشعره سواه .. حتى لم يجد بدًا من الصياح بصوت أعلى من غمغمة أبوه فرد : " أطلعتك على تأخرى و لولا أن لى أب يسكر ما كان ما كان " .
ما وجد طلال من أبيه سوى يد تصفعه و أخرى تدفعه و ترميه بعبارات جارحة و قسم الأب بعدم دخول إبنه البيت ما بقى حيًا !
و حينها شعر طلال بنافورة دم تتصاعد إلى وجهه و لاتزال أثار يد والده على وجنته بينما الصراخ الداخلى فيشتد أكثر فأكثر .. ! ، فماذا هو بفاعل ؟ قد إنتصف الليل أو أكثر و الشارع قد خلى تمامًا إلا من الطوارق أيرمى بنفسه إلى الخلاء و ليحدث ما يحدث ؟! .. و أيًا كان فأى إحتمال أعزّ عليه من أن يدق الباب مرة أخرى متذللاً طالبًا الشفاعة أو الغفران .. و للكرامة ثمن دائمًا !! .. فنزل طلال من العمارة و الدموع تريد أن تغلبه و لكنه يأبى !
و حين نزل إلى الشارع رأى نورًا بعيدًا هو الوحيد الذى ظهر فى الشارع خلف تلك الأغصان الكثيفة .. فإذا به نور المقهى فأقترب طلال منه حتى تراءى له النادل يهّم بتجميع الكراسى داخل المقهى إستعدادًا للإغلاق ، كان الشارع لا أحد به سوى طلال و المقهى و فى هذه الأيام سيّمة الناس الإختباء مبكرًا فى مضاجعهم .
و بدون أية سوابق لمح طلال وجه شبحًا مرعبًا جالسًا على المقهى و فجأة خرج صوت مرعب كفحيح الثعابين مناديًا " تعالى يا طلال " فأدرك طلال أنه ذاك الرجل العجوز .. كيف عرف أسمه؟ بل ماذا يريد ؟!! و وجده جالسًا وحيدًا على المقهى و الظلام يرميه بسواده فلا ترى منه سوى أجزاء بصعوبة ، و إنشلّت قدما طلال فسكن فى مكانه و ساور عقله كل ما يتخيله من هواجس مفزعة فربما يريد سرقته أو ضربه أو قتله و لكن ماذا يفعل فإنه على باب الله و خالى من أية مصلحة للصوص !!
فتشجعت قدم طلال اليمنى و تحركت و قلدتها اليسرى و ذهب ليجلس فى الكرسى المقابل للرجل متمتمًا :
- هل أعرفك .. ؟
فرد الرجل بلباقة و كأنه ليس من هذا الشارع بل و ليس من هذا العالم أصلاً ..
- لا .. ، و لكنى أعرفك
فاطمأن جزء من طلال للباقته و قلق جزء آخر من مشهد الموقف نفسه و قال ..:
- و من أين لك أن تعرفنى ؟
فرد الرجل و كأنه لم يسمعه ..
- أريدك أن تهتدى لما تبحث عنه ..
- ما تقصد ..
- أتدرك أنك ستسافر شرقًا و غربًا و لن تعثر على ما تريد !
فضحك طلال فى سره فما أدرى هذا العجوز به ! يبدو أنه طعن فى السن فأدركته الشيخوخة و مشتقاتها و فجأة أكمل الرجل حديثه :
- هل ترى ضياء القمر اليوم ؟
فنظر طلال على ستار السماء الأسمر و رد مسرعًا :
- القمر لم يظهر الليلة .
فقطب الرجل فجأة و كأنما تخلى عن لباقته ..
- القمر موجود وراءك يا أحمق ..
فغضب طلال من تملق الرجل و كلمة ( أحمق ) و كاد يثور عليه لولا مباغتة الرجل له مرة أخرى :
- قم من هنا فلا أمل فيك و ستظل تبحث و لن تهتدى ..
فتريث طلال و ثبت فى مكانه و كأنه يحاول الإستيعاب حتى صاح الرجل مرة أخرى و هو يهّم بالوقوف .. :
- قلت لك قُم يا أحمق !
فنهض طلال مسرعًا و خرج إلى الشارع الرئيسى و حدّث نفسه " من هو ؟ .. أهل هو حقيقى ؟ .. بل السؤال هل ما قاله حقيقى ؟ أنا أنوى السفر بالفعل متى أستطعت ؟ هل هو إنسان أصلاً ؟ كيف ميّزنى كما لو عرف أنى سأطرد من البيت اليوم ؟ هل هو حقيقى ؟ مهلاً مهلاً أليس الذى قاله حقيقى فأنا أبحث عن شئ فى أعماقى بالفعل و لكنى متيقن بإنه العلم فالعلم وحده من يغير الأمم ؟ و ما الحكمة من سؤاله عن القمر .. ما الحكمة ؟ .. يكاد عقلى أن ينفجر .. و لماذا يقسو علي هذا الرجل ؟! "
***
و لم يحكى طلال الموقف لهادى الذى إستضافه فى إحدى شقق فائض الفائض التى يملكها والده و أقنع هادى أهله بإنه سيبيت مع طلال بضعة أيام هناك و وافقا و ظلت كلمات راسخة فى عقل طلال كـ ( القمر ، أحمق ، تبحث ) يرددها له ذهنه كل فترة كما لو كان يعاقبه .
و بينما الصمت يغشى على البيت وجد طلال أمامه علبه سجائر هادى فأخذ واحدة و ظل يشرب و يسعل حتى علا صوت السعال فقدم هادى الذى كان منشغلاً بتحضير سيجارة من نوع آخر و ما أن وقعت عيناه عليه حتى قهقه فقال :
- أخيرًا
و مرت دقائق حتى أتى رفعت إليهم و ضحك هو الآخر حين رأى طلال و داعب طلال هو الآخر:
- أخيرًا تعلمت شيئًا مفيداً فى حياتك !
و أخذ يشارك هادى فى الحشيش و طلال ينظر إلى التلفاز الفخم فى غرفة المعيشة حيث كان جالس .. و قسى عقله عليه قسوة الذى لا يرحم مرددًا ( ضياء القمر ، و لن تهتدى ) ؟!
حتى علا صوت تفكيره و خرجت من فمه كلمات :
- هل لكم هدفًا فى الحياة ؟
فأراد رفعت و هادى أن يضحكا و لكن قوة السؤال و جديته حالت دون ذلك فغلبت تغيب عقلهم فرد هادى :
- سأدخل كلية التجارة و أكمل مشوار أبى ..
أما رفعت :
- أتمنى السلطة فما أحلى أن تتحكم بالآخرين و أنت على كرسى !! فالسلطة تجلب كل شئ ، و ماذا عنك أنت ؟!
أنا الذى يعسس ليلاً فى بحر الغيوم السمراء و أبغى القمر !! و رد طلال :
- أتمنى كلية الطب ، و نشر العلم بين الناس !!
و أدرك طلال حينها شخصية كل واحد فيهم من تخطيطه لمستقبله .. فهو يبحث عن هدف بسيط نوعًا ما و يرضى بالقليل .. بينما رفعت فيريد كل شئ و لم يخطط لشئ فمثله لن يحصد شيئًا فى الحياة سوى الفشل ، أما هادى فلا هدف له فقط يتبع خطوات أبيه فى صمت !!
و على الرغم من كل هذا البغض لأصدقائه إلا أنه كان يحبهم فى أعماقه على الأقل فهم الوحيدون الذين تقبلوا أن يكون صديقهم !!
***
و مرّت الأيام و بالفعل أتى طلال بمجموع يلحقه بكلية الطب و فور علم والده بذلك دعاه للبيت معتذرًا قائلاً : " لا تكرر فعلتك مرة أخرى فليس من شيّم الرجولة أن تنهر والدك " .
و عاد طلال للبيت بوجهين وجه فى الأرض و الآخر يلبى كل أوامر و طلبات الأب .
***
مرّت سنوات عديدة حتى تخرج طلال بتقدير رائع و تزوج من عائشة و هى نفس الفتاة التى قابلته مع رفعت و هادى فقد توطدت صداقتهما فيما بعد ذلك رغم إلتحاقها بالآداب و إنقطعت علاقته بهادى و رفعت تدريجيًا و لم يجد طلال سوى هذه الفتاة أمامه عندما تخرج و أراد الزواج منها ، بيد أنه أراد الزواج للزواج نفسه و لم يرده لشئ آخر ..
و ما أن شرع يفكر فى النساء تناسى أحلامه القديمة بوجود زوجة تتوافق مع فكرّه و تتحدى معه العالم .. فقط أراد الزواج .. ربما للإستقرار ربما لإشباع الرغبات المهم أنه يجب أن يتزوج ..
فحدث عائشة فى الأمر و لم تكن جميلة الجميلات فوجهها مائل للسمرة و لكنه ليس بالأسمر بيضاوية الوجه و أنفها صغير و طولها قصير .. و على أى حال فكانت دائمًا تظهر بلا أناقة ولا إهتمام بالجمال .. فإن عُرف عن البنات قضائهن ساعات أمام المرآة فهى التى – ربما – لم تجلس أمام مرآة قط .. كان يمكنها أن تحظى بجمال فوق توسّط جمالها و لكنه الإهمال !! و حينما سمعت منه عائشة طلبه إستغربت ، بيد أنها لم تتوقع أن يكون جدّيًا لهذه الدرجة فعلاقتهم كانت صداقة و ربما زمالة .. و ربما تليفون يرّن فقط للإطمئنان على الطرف الآخر أو مقابلات عابرة .. و لكنه فجأة قابلها عدة مرات خلال ما يقرب الشهر و النصف و فجأة طلب منها الزواج .. ، و كيف ترفض فتاة مثلها فى معيشتها التى لا تختلف حالاً عن طلال الزواج من طبيب ؟!
بعدما أنهى طلال دراسته بالكلية وجد منحة لإكمال دراسة الماجستير و كيف يرفض ؟! فتردد طلال على جهات مختلفة من العالم طالبًا العلم .. و بدأت زوجته تشكو قليلاً بصوت منخفض .. حتى علا الصوت و صارت الشكوى زعيقًا فرفضًا على هذا الحال !!
و لم تمضى ثلاث سنوات حتى قرروا الإنفصال خصوصًا و أنهم لم ينجبا أى أطفال و لم يحتمل أحدهما الحال فهى من جهة تشعر بإنها متزوجة بلا زوج و هو لم يشعر بإنها الزوجة التى حلم بها فى خياله .
***
بعد عشرات السنين من الغربة و بينما هو فى منزل أباه المتوفى الذى تركه له وجد هاتفه يرّن فطالعه صوتًا فى الهاتف لم يعرفه بدايًة حتى قال الصوت : ( أنا هادى ) .
فأندهش طلال فـحيّاه مسرعًا و كأنه ميت إذ كلّم الحياة ، حتى إتفق معه هادى أن يقابله مع رفعت مرة أخرى لعل الأيام الخوالى تعود .
***
كان على وشك ركوب سيارته و السائق يقول ( تفضل يا فندم ) و ظل يفكر فى إلتحاقه بالحقوق و كيف أنه كان على حق فى أنه لتكون عظيمًا عليك أن تفكر مثل الأطفال لإن لديهم الخيال .. حتى و إن كان خياله هو معتم بينما خيال الأطفال برئ المهم أنه طمّح و الطموح بداية وما كان يصل إلى ما وصل لولا الطريق الذى تبعه و فجأة وجد نفسه يقول للسائق ( قف هنا ) .
و نزل رفعت من سيارته و هالة من الإحترام تحوم حوله و إفترشت وجوه منتظرينه بالسعادة الغامرة و صاح بهم رفعت ( يالها من أيام ) و ظلوا يستاءلوا كلٍ للآخر ماذا فعلت .؟ و ماذا أصبحت ؟ و كيف قضيت وقتك ؟ فطلال لايزال كما هو رغم علمه و رغم حصده قليل من المال يجعله يرتقى للطبقة الوسطى و لكن أين هالة الإحترام و المال ؟ فقط بدا سعيدًا عما سبق و رفعت ذاك المسئول بالوزارة تغير تمامًا فكان كالذى فى شرفة عالية و الناس من تحته معجبون !! رغم أنه وصل إلى ما وصل بالألاعيب فسواءً عدلاً أو ظلمًا فقد وصل !! أما هادى فتعلم كل صنعة علمه له والده .. حتى أصبح يكتظ بالمال أكثر مما هو مكتظ !
و إنتقل حديثهم لرفعت فقال هادى مداعبًا :
- حققت حلمك بطرق مشروعة أو غير فلا يهم !
فضحك رفعت و صاح :
- و لكن آفتى هى الطمع !!
عندها قال طلال و قد عالج نفسه " قليلاً " من الإنغماس فى حديث نفسه فضلاً عن الآخرون.. :
- مبروك المنصب الجديد .
فباغته رفعت بخبثه المعتاد بسؤال ظن أنه محرج ..
- تبدو لى كما أنت !! و لكن أهم شئ أن الفلسفة ذهبت و العبوس الدائم
من به داء فلن يبطله ، و أنت الذى وصلت لمركزك و منصبك بالنفاق و الطرق الملتوية تتحدث شامتًا !! .. فقال طلال موضحًا موقفه ..
- كنت دائمًا أبحث عن شئ و لم أجده سوى مؤخرًا حينما فرغت لنفسى .. سافرت شرقًا و غربًا طالبًا العلم .. و وجدت من أصناف الناس ما وجدت !! .. و رغم ذلك كنت كمن يُعسس ليلاً فى بحر من الغيوم السوداء أبحث عن ضياء القمر فى تلك الخلوة القاتمة و لم أجد راحة إلا عندما وجدته ..
فقهقه هادى قهقهة أرستقراطية و أيضًا رفعت .. فالفلسفة المعتادة كما هى لم تفارقه و أحيانًا تخرج منه كلمات لا تصلح فى المواقف غير الرسمية .. و لم يريدوا إحراج صديقهم بكلمات أخرى .. و ظل حديثهم مزاحًا بعد ذلك حتى أنتهوا و ذهب كل منهم فى حاله ..
***
و شعر طلال بإنه بعد هذا الحديث ضعيفًا أمامهم قويًا فى نفسه فلا معه سلطة و لا مال و حتى العلم لم يعطيه مكانته فى المجتمع الظالم و ظل يردد أبيات من الشعر .. متى قرأها ؟! و أى شاعر كتبها ؟! ..
( و المال إن لم تدخره محصنًا بالعلم كان نهاية الإملاق ..
و لا تحسبن العلم وحده ينفع ما لم يتوج ربه بخلاق )
و لا تحسبن العلم وحده ينفع ما لم يتوج ربه بخلاق )
فإبتسم و قال لنفسه و هأنا قد وجدت الأهم من الخلاق أيها العجوز الذى ما عرفت أسمه قط .. ما أنا بإحمق .. رحمة الله عليك .
فنظر للستارة السوداء فى السماء أعلاه و رأى القمر و قال " الآن فقط أم ت لك قمرًا فى صدرى ، شكرًا يا من أهديتنى و لا يهدى أحدًا سواك " ..
مُصطفى ســلامه .. ( 5/11/2009 )
مُصطفى ســلامه .. ( 5/11/2009 )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق