إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الثلاثاء، 20 مارس 2012

الهارب (قصة-فلسفية)


إنغلق المسرح أمامه على حين غفلة فوجد ذاته فى عالم آخر بل كُله إنتقل إلى هذا العالم !!

سريعًا أيقن بإن العالم الجديد الذى هو به ليس له أية قوانين ، لا تظهر صورة واحدة أو يُسمع صوت هنا و يغشى ليل بلا قمر أو نجوم الدنيا فتجد نفسك فى أحضان ظلام دامس !

أتاه من بعيد صوت للرياح ، إشتد الصوت فى أذنه و قد كان أول صوت يسمعه منذ مدة بحق فى هذا العالم المخيف ، أدرك أن الصوت ليس صوت رياح فقط بل رياح عصفاء ، مد يداه كالأعمى الذى لا يرى شيئاً - و لكنه فعلاً لا يرى - ظل يسير و قلبه يرتجف بين حناياه ، أين ذهبت و كيف إنتقلت ؟! و أى قوة خبيثة نقلتنى لهنا ؟ و كيف تحول عالمى بهذه السرعة و لماذا أختارنى القدر أنا بالذات كى أعسعس وحيدًا فى هذا الظلام و متى ينتهى هذا الضباب الأسود ؟ و لِمَ لا أرى و لو عُشْر نقطة بيضاء !؟

يستمع لصوت مياه تبادلت الأدوار مع الرياح ، فيشعر من كثرة خوفه بإنفاس الموت تتردد بجانب أذنه ، يركض مُحدثًا نفسه : لطالما عشقت الهرب ، و لكن قوة خفية تومض فجأة بضوء أبيض وهّاج أمامه فيجد أن العالم إختلف أمامه فهاهو النهار ساطع ، ينظر فوقه يرى الليل و السوّاد ، إذن فلازالوا مُغلفين للإطار ، يركز إنتباهه على الصورة التى أنبعثت أمامه فيجد شارع ممتد إلى ما لا نهاية أصطفت بيوت بيضاء على جانبيه ( متى رأيته ؟! ) ، يقتحم طفل صغير الصورة فجأة يعد سنواته بالكاد على أصابع خمس و قد تدلى شعره الناعم على جبينه ، يسأل نفسه : لقد رأيت كل شئ مسبقًا أليس كذلك ؟!

تتجه أنظار الطفل لصنبور مياه تتساقط منه النُقط ، فيثير فضوله و ينظر له بتلهف تتعالى أصوات سقوط النقط فتتحول إلى صخب و يتسائل هو ألا يشبهنى هذا الطفل ؟! ، و يجرى الصغير نحو الصنبور و يعبث به محاولاً إصلاحه ، بينما تتجه امرأة ناحيته - أقتحمت الصورة فجأة هى الأخرى - فتنحنى و تأخذ راحته و تضربها برقه هامسًة ( هذا عيب ! ، فأنت تفسده لا تصلحه ) .

ينهار هذا العالم و يعود الليل الغشيم ، و تأتيه أصوات من العالم الخارجى - هكذا كان يسميه - و لكنها بلغة غريبة لا يستطيع تفسيرها .

تظل القوىّ الخفية ناقلًة إيّاه إلى العالم الجديد ، و يشعر بماء مُثلج يرتطم بوجهه - حتمًا هو من العالم الخارجى و لكن أبدًا لن يستجيب - ، يقرر الخوض مُجددًا فى هذا العالم الكالح و لكن أبدًا لا تظهر من الصورة و لو ذرة واحدة الكل أسود فلا يرى ، يقرر مزيدًا من الخوض فى هذا العالم فيسعى بين السوّاد الكالح و الطرق أمامه متشابهة تقود لغامض أو مجهول !

تظهر صورة جديدة ، يأتيه عجوز كشبح يفاجئه له نفس أعين و حواجب صاحبنا - كان هذا أول ما لاحظه - ، يرتدى جلبابًا و بوجهه تنطوى الأنوار البيضاء المنبثقة من لحيّته فينظر العجوز بعمق مُقطبًا و يقول : ( ألا تنوى العودة أم أنك تعشق الهرب ؟! ) و يتركه و يبتعد حتى يختفى و يصير العالم مُظلم مجددًا .

يستمع الآن لصخب آتى من العالم الخارجى يتجاهله و يُكمل الطريق فى العالم الأسود و الرؤية ضبابية قاتمة إلى أقصى حد فيمُد يده كالأعمى علّه يصطدم بشئ ، يتحسس بقدماه رمال من تحته فينظر و لا يراها و يتسائل إلى متى أسعى دون هداية ؟! ، تومض قوى مُجددًا و تظهر صورة أخرى ، يرى طفل صغير هو نفس الطفل الأول و لكنه أصغر بسنتين مرة أخرى تتبدد العتمة شئ ما و لكنها تُغلف الإطار ، تأتيه طفلة مبتسمة فى وقت يقترب من الظهر إبتسامة عذبة مع إنكماش فى العين و الهواء يتلاعب بشعرها طفلة من تلك التى يضعف القلب أمامها و يتراقص حينما يراها ، فيرى طابور من النمل يسير على حائط أبيض متصدع و يدخل النمل بين التصدع حيث يستخدمه كجحر ، فيجرى الطفل بمسمار فى يده ماسكًا يد الطفلة و ينظر لها قائلاً : ( هذا الجحر هو منزلهم ، هيّا بنا نُزيد الجحر فُنكبّر بذلك مسكنهم ) ، و لكن نفس المرأة الأولى تأتيه و تقول ( و لكنك بذلك تزيد التصدع و بذلك قد ينهار الحائط ، أتركهم فهم يدركون كيف يعيشون ! ) ، يجد نفسه يقرئ أفكار الطفل حيث كانت تُردد ( و كيف أمُيّز بين الخير و الشر ؟ ) .

تنتقل ما بين صور عدة و تتكاثر الومضات و يعود العالم الليلى كما هو بلا قمر أو نجوم !

يرى رجل أربيعنى يقول ( سترى الحقيقة إن أردت فهل تريد ؟ ) يتسائل ألا يشبهنى هذا الرجل كما شابهنى الطفل ! بل هذا الرجل يكاد يطابقنى ، ( هل تريد ؟! ) .

فيرد هو عليه : ( و لكنى أتحيّر ، و لا أعثر على الحقيقة ، و كيف .. ؟! ) .

يرد الرجل الأربعينى : ( لا تثرثر كثيرًا ، أنا أكثر من يعرفك ، أنت تعشق الهرب و لهذا أتيت إلى هنا ، لو حاولت يومًا التوفيق ما أتيت ! لو قاومت و أتبعت صوت القلب و الروح ما أتيت ! ، فهل مازلت تريد ؟! ، هيّا فلتأتى معى ) .

قال الجملة الأخيرة مادًا يده كالمصافح ، و لكن صاحبنا أجاب : ( و لماذا أتيت مُتأخرًا ؟ ) فتصيب هذه الجملة وجه الأربيعنى بالعبوس و يقرر الإختفاء ، لتنتهى الصورة !

تتكاثر أصوات من العالم الخارجى - كما يسميه - و يبقى العالم الأسود كما هو لا يتغير ، و يسير فاردًا كلتّا يداه للأمام متسائلاً

( متى تنتهى العتمة ؟! )

****

( حوار دار بالعالم الخارجى - كما يُسمّيه - )

- ستأخذه عربة الإسعاف حالاً .

- ماذا حدث ؟! لم أفهم .

- ولا أنا ، كان نائم ، طال النوم ، يومين ، قلنا عادى ، الثالث أتى ، شعرنا بإضطراب و ذعر ! فكان لابد من طلب الإسعاف ، أظنها غيبوبة .

****


بقلم / مصطفى سلامه

30-11-2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق