- لما لا تقصد الرزق فى شارع أبو الخير ؟ تعبر من كل الشوارع إلا هذا الشارع .. يقولون أن به أناس طيبون لا يعطوا الرزق إلا من يستحق .. !!
- و لكنى على باب الله كما تعلم ، أشترى القديم و أبيعه بخسائر أحيانًا ، بائع روبابيكيا فاشل فى التفاوض هذا أنا ، فأنّى يكون لى خير فى هذا الشارع و أناسه قليلون بخيلون كثيرون الفصال و الجدال حول الأسعار و هل فى يومى متسع من الوقت لأضيعه ؟
- التجربة لن تضر .. يوم واحد أرجوك ..
ذهب الشاب ( وهبه ) إلى شارع أبو الخير للتجريب لا غير و قد نوّى عدم الشراء أو البيع به بتاتًا إلا بعد أن يتأكد من مكسبه وإلا تكررت الخسائر!، ما إن دخل الشارع لمح عجوز أصلع ينظر له بإبتسامة دون تنبت عن شفتاه أى حرف، وحينما تعمق فى الشارع حتى أصبح تقريبًا عند منتصفه حدثت مُعجزةً من نوعٍ عجيب فإذا به يعثر على مئة جنيه قد داس عليها بقدمه دونما قصد، مئة جنيه مُلقية هكذا على الأرض و لمح ذاك العجوز المنبتة ذقنه ينظر إليه بكل وضوح فصاح وهبه بإعلى صوت :
- يا عالم ، من فقد منكم جزءًا من مال .. ، يا هوه .. ( نظر للرجل العجوز و قال ) .. هل وقع منك شئ يا حاج ؟
فرد العجوز ببسمة : ( نصيبك يا ولدى .. ، خذها ، أنت فقير و الله أرسلها لك ) .
قبّلها وجهًا و ظهرًا و وضعها بجيبه وقد إنفرجت أسارير وجهه تماماً بعد أن ظل عبوس الوجه لعامين بحالهم لم يرى فيهم هذه العملة أصلاً !! .
فى اليوم التالى وجد مئة جنيه أخرى ، كان هذا الشارع آخر ما توقع أن يكون به رزق فإذا به يجنى الرزق بلا تعب .. سبحان الله، مرة أخرى يتكرر الموقف و نفس العجوز يقول نفس الكلمات بإسلوب آخر :
- أنت تحتاجها أكثر من أى شخص ، فلتأخذها يا ولدى و لتكن خيرًا لك .
لئن كان هذا يحدث فى عالم الأحلام أو الأوهام ما كان ليصدق بتكرار المعجزة ! حتمًا هناك فى الواقع ما يتخطى الحقيقة، و كيف بعد طول الفقر المدقع الذى كان يعيش بين رحابه يجد الرزق هكذا بكل سهولة !!
بعد ثلاثين يوم حصد تلاث آلاف فى الشهر و بعد سبعة أشهر وجد أنه جمّع مبلغ 21.000 جنيه ، قال فى نفسه ياله من مبلغ ضخم، إن جمعت عليه عشرة آلاف أخرى سأفتتح أكبر مشروع فيكى يا بلد، يا ألطاف الله ، أين كنت و أين أصبحت الآن ؟ من فقير يقضى يومه بـخمس و سبعون قرشًا إلى واحد من الأثرياء و لازال فى العمر بقية و سأحصد المزيد .
ذهب للشارع فى أول يوم بعد أن جمّع واحد و عشرون ألفًا، أول أيام الشهر الثامن، كان الوقت ظهرًا كما إعتاد، و الشارع خلى من الناس و لكن لازال العجوز قابع فى شرفته بإبتسامته المعتادة و ما إن وصل لمنتصف الشارع حتى أدرك بإن اليوم هو يوم إنتهاء المعجزة!، مستحيل عليه البحث فقد يكون الهواء قد طيّر المئة جنيه من مكانها، لم يجدها ببساطة، و مهما كرر المحاولة فى الأسابيع التالية فشل، كان ملتزم بالعودة للشارع ظهرًا و لكن ألم نقل أن المعجزة قد أنتهت!، همّ بالمغادرة و هو يسب و يلعن بالشارع الذى أمسى جافًا على أن يعود غداً كآخر يوم و لكنه بينما يغادر ما وجد إلا العجوز واقف أمامه باسمًا و هو يقول :
- يا ولدى أحتاج لمبلغ عشرة آلاف ، فهل معك لتقرضنى؟ ، سأعيد لك كل شئ و لا تقلق .
عبس وهبه ، و قطب حاجبيه و زفر فى غضب قائلاً :
- ارحل من أمامى يا رجل ، أترانى من أصحاب الملايين لتشحذ منى .. ، عجوز و مليئ بالبجاحة ..
- يا أبنى ، هناك حقيقة خبيتها عنك ، أنا من كنت أرمى لك الورقة ذات المئة حتى أنتهى مالى فلم أكن لأهتم بالمال، أنا عجوز حققت كل شئ بحياتى و لم يرزقنى الله بالأولاد، و قبل أن تنتهى حياتى فكرت بإن أعين أهل الله الفقراء، فقذفت لك بالمال عن حبٍ و أمل فى أن تحوز به على منفعة و أكون بذلك قد أنهيت حياتى بسعادة و صفاء روحى، و لكن المشكلة هى أن زوجتى الضريرة توشك على الموت و تحتاج لعملية جراحية، و علي إما أن أدفع أو ستموت هى و أعانى الوحدة السنة أو السنتين الباقيتين لى فى العمر، فهل ترضى الوحدة لى؟! هل يرضيك أن أترك من لازمتنى ستة و أربعين عامًا دون مساعدتها؟!
- إذن ، فسنة أو سنتين وحيدًا أفضل من قتل طموحى بالحياة، الآن فلترحل عن وجهى و لتشحذ من الأخرين كيفما شئت ، كفى كذبًا و خداعاً أيها العجوز .
كان ( وهبه ) أحمق بحق، لأنه لم يكن يصطنع أو يدعى فعلاً بل كان يظن أن العجوز مُخادع، و هل على العقول الضيقة من حرج ؟! أستنفر ( وهبه ) من إبتسامة العجوز التى لا تنقطع ثار فى وجهه :
- و لماذا تظل مبستمًا ؟ قلت لن أعطيك شيئًا ، حتى لو كنت أعلم أنك من أعطيتنى المال فهو ملكى الآن و لا شأن لك به ..
رحل العجوز مبتسمًا ، رغم قسوة الأيام لم تفارق الإبتسامة شفتيه !! تُرى ما الذى جعله ينول السعادة الأبدية رغم مأساته التى خضبت حياته ؟.
تجنن وهبه و ظل يصرخ بصوت يكاد يدمى حنجرته :
- قل لى يا جبان ، لماذا تبتسم ؟ هه .. ستموت امرأتك و تعيش وحيدًا ، فلماذا تبتسم ؟
و الغريب أن العجوز لم يشعر بإى نوعًا من الحقد تجاه بائع الروبابيكيا ناكر الجميل، سيجد مالاً .. فالله يُرسل لمن يشاء .. و لكن حقًا ما الذى فعله فى حياته كى ينول تلك الإبتسامة الأبدية ؟!
2010/10/20
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق