.. فوق هناك ضوء خافت أبيض يكاد لا يظهر و لكنه يفى بالغرض فى أنك تستطع أن تلمح مظاهر تلك الغرفة .. هى سوداء .. تبالغ فى سوادها و كأنها تفتخر به و غطيّت كلها بسيراميك داكن السواد لا يشوب سواده سوى بعض الخطوط البيضاء التى تقسمه لمربعات .. ليس بها لا منفذ ولا مخرج .. كلها مغلقة حتى أنك لا تستطع التنفس فتبحث عن الهواء و لكن أين هو ؟ فيغمرك شعورًا بالإختناق .. الأمر أشبه بالغوص فى أعماق بحر بلا مياه !! ما هذا !!! إن الغرفة تضيق .. الحوائط تنطبق على ... الحوائط تتجه نحوى .. ماذا أفعل ؟! .. سأصرخ .. و لكن لماذا لا يخرج الصراخ ؟! لماذا ؟! بالفعل كأننى فى ماء و لكن ليس هنالك ماء !! و إن كنت تصرخ تحت الماء فإنك تستمع لبعض من صوت صراخك و لكنى لا أسمع شيئًا بل و كأن شيئًا يمنع الصراخ من الخروج من فمى .. حاولت كثيرًا عشرات المرات و لم أنجح .. أشعر بالإختناق و كأننى أشم غاز سام !! و لكنى فى الحقيقة لا أشم شيئًا و لا أتنفس أصلاً .. فالغرفة ليس بها هواء بل ليس بها شيئًا .. يالهذا الضباب الذى يقع على عقلى .. أهل الجنون قد مسنى ..؟! هل ما يحدث حقيقى .. ؟! ... سأقولها بصوت عالى ( لاااااا ) و خرجت ( لا ) من فمى أخيرًا أنى أستطيع الكلام قلتها .. قلت ( لا ) .. و الآن سأضرب بيدى اليمنى الحائط عن يمينى و اليسرى كذلك فى الحائط المقابل و قدماى سأسلطهما على الحائط أمامى ، أبدًا لن تكون نهايتى الآن ... فأنا الأسطورة .. الحوائط تتحدانى أكثر فأكثر .. أصبحت فى حجم غرفة المصعد .. ثم كابينة الهاتف العمومى .. الحوائط توشك أن تلتهمنى إلتهامًا و كأنها مشتاقة لفريسة !! و أين الهواء ؟! كيف أتنفس ..؟! الإختناق سيفقدنى عقلى - إن لم أكن فقدته مسبقًا - ( آآآه ) خرجت تلك الآهة بصوت عالى جدًا .. و نظر أحمد لنفسه فوجد نفسه مبللاً بغزير العرق و كأنه خارج من ملحمة مع المطر ، و تلفظ فى سرّه ( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) . وضع أحمد الحلم فى عقله الباطن و لم يجعله يتسلل إلى وعيه .. حيث أسرع بالإغتسال و الذهاب للعمل ، فلم يكن يضحى بإى شئ مقابل العمل فهو يحمل الرقم الأول فى حياته من حيث الإهتمام و قد برّع فى عمله حقًا ، كان ينهى عمله و ينام قليلاً و يذهب لصديقه محمود - وهو المقرب له - على المقهى حيث يجلسون يتسامرون أحيانًا و يأخذون الجد شعارهم فى مرات أخرى .. المهم أن بقية اليوم كانت تضيع حتى يأتى موعد النوم . كان أحمد يعيش وحيدًا و لم تكن تلك مشكلة بالنسبة له و لكنه كان يمقت حياته و يكرهها كرهًا .. و لم يعرف سبب كرهه لها و إن أدركه فى أعماقه و لم يعترف به أمام نفسه فكانت مشاكله كالبئر أشبه .. إذا نظرت من فوق ترى سوادًا هائلاً رغم أن بالداخل ماء و أنت تعلم ذلك !! . *** و بينما يسرى أحمد ليلاً كعادته فى اتجاه المقهى أخذ يفكر فى أمور كثيرة .. حيث تعوّد على ذلك سواءً تفكير لعالمه أو لعوالم الأخرين .. و ربما فى أمور تافهة أيًا كان فقد تعوّد على ذلك .. فقد كان عقله دائم العمل . تفاجئ أحمد - و هو يُفكر بهذه الطريقة - بالمقهى أمامه و أخذ يمرر عينيه بين الناس لعله يجد من تعود أن يجده على المقهى كل يوم و لكن لم يعثر عليه . و قد عشق أحمد هذا المقهى ، بيد أنه كان يخالجه شعور غريب كلما جلس فيه ، و قد كان المقهى مفتوح على الشارع و مليئ بمختلف الأجناس و يمتاز بتألق أنواره المنتشرة فى كل صوب منه و يعلوه لوحة عملاقة - بمعنى الكلمة - مكتوب عليها ( باريس ) .. و تستطيع أن تستمع لأصوات عدة و أنت مقترب منه .. كقرقرة الشيشة .. و النرد .. و أصوات مختلف الألعاب ، كان الشعور بالونس و البهجة يملئ قلبك بمجرد الجلوس على المقهى فكان أحمد يحس و كأن الجلوس على المقهى يخرج كل ما عانى من تعب عقلى و جسدى فى عمله .. و أحيانًا كان يشعر بإن المقهى يشفيه روحيًا !! . كل تلك الأشياء كانت تجذبه نحو المقهى يوميًا حتى أنه إذ لم يجلس عليه فى يوم يشعر بألم نفسى قد يمتد لجسدى فى بقية يومه أو فى يومه اللاحق .. بعد أن وجد مكان - بصعوبة - طلب أحمد كوبًا من الشاى ، و رأى بجانبه مجموعة من العجائز يتجادلون .. و قد كان هو وحيدًا فلم يجد مانعًا من أى يقضى وقت فراغه - كالعادة - بالإستماع لحكايات الأخرين .. حيث تعود على ترك أذنه مع غيره فى وقت ملله على هذا المقهى .. " لم يكن هنالك سوى عماراتين ، العمارة التى أقطن بها و عمارة حاج ياسين و هذا المقهى فقط .. " قالها أحدهم تلك الكلمات و قاطعه فورًا آخر قائلاً بحماس " لا أنا بنيت بيتى قبل ذاك و كان موجودًا أيضًا .. " و رغم أن الحديث بدا غير مشوقًا لأى أحد - و ربما لأحمد نفسه - و لكنه لفت إنتباهه حيث كان ينظر للشارع الآن و كيف وصل به الحال !! ، الشارع الآن يكاد يختنق - أو هكذا شعر أحمد - فلم يفارقه قط شعوره بإن الناس أغبياء !! و سيظلوا يبنون العمارات و المبانى فى الشارع حتى لا يجدوا مكانًا يمشون فيه و يختنق الشارع و يصبح مقفولاً تمامًا فقط مجموعة من المبانى .. بل و ماذا لو كان ذاك حال العالم أجمع ؟! و فجأة أغلق عينيه و ذهب مع عقله لعالم آخر من التفكير فحدثه عقله متمتمًا " تخيّل لو أفتحت عينك الآن فوجدت التاريخ قد عاد لأربعين سنة و عاد الشارع لموقفه القديم .. عماراتين و مقهى فقط ألن يكون ذلك أفضل من هذا الزحـ .. ؟ "و قاطعه صوتًا أمره عجيب ، فلازال أحمد غالقًا لعينيه و الصوت أتاه مناديًا " أحمد محفوظ ؟! " و لم يدرك أحمد بعد من القائل ؟ بل و شعر بإن الصوت يأتيه من نهاية ردهة طويلة تمتد لألاف الكيلومترات و الصوت يأتيه ضعيفًا من على كل هذا البعد .. !! ، فشعر بإنه يقبع فى كرة من الغموض حتى فتح عينيه و أستمر الغموض للحظات فبدأ يتلاشى شيئًا فشيئًا .. حتى لاحظ وجه يعرفه جيدًا و ما إن رحلت بعض اللحظات حتى صاح أحمد مندهشًا ( منير ) !! ، و شعر أحمد بالإستغراب ممزوجًا بشئ من السعادة فى لقاء هذا الصديق القديم و أخذا يتبادلا التحية و يشرحان لبعض أسباب قدوم كل منهم لنفس المكان و على أى حال فقد كانت صدفة سعيدة . أخذا يتحاوران فى الماضى قليلاً - و قد بدا حوارًا غير مثيرًا - حتى قال منير : - تبدو لى يائس و كان شيئًا يشغل بالك ، أهو الزواج ؟ فرد أحمد مسرعًا .. - " الزواج لا مشكلة به إطلاقًا ... و سكت برهة فأكمل - لا أخفى عليك أشعر بقلق كبير من شئ مجهول ، أتدرى إنى أحلم أحلام غريبة يوميًا و تتكرر بإستمرار ؟!! . فرد عليه منير .. - هناك فراغ فى حياتك فقط .. ، تحتاج للزواج . أستغرب أمرك ! .. فأنت لا شئ ينقصك للإقدام على هذه الخطوة فلديك المال و الشقة و الوظيفة المحترمة و مكان إجتماعى رائع و أى عروس تتمناك و هم كثيرون . شعر أحمد حينها بإنه يكلم حائط .. فلم يفهمه منير قط .. و عذره أحمد فهو ليس بالصديق المقرب له الآن و ربما سابقًا أيضًا لم يكن كذلك و كم من الصعب أن يفهمه ؟! و رغم سخطه عليه رد باسمًا بسمة غامضة " أستحسدنى ؟! " و أخذ يضحك الإثنان معًا و باغته منير بعدها .. - أسمعت عن إنفلونزا الخنازير ؟! فرد عليه أحمد بتمهل .. - تقصد الطيور ؟ و صحح له منير . " لا الخنازير ، مرض جديد يقولون أنه خطير !! " قطب أحمد وجهه فجأة ثم رد : - يبدو أن لا راحة لنا فى هذه الدنيا أبدًا .. و سيطرت عاصفة من الصمت على مجريات الحديث .. و سببها ألم التفكير فى المستقبل من ناحية و من ناحية أخرى الملل من الكلام ، فلم يمر وقتًا طويلاً حتى أدرك أحمد أن صديقه الذى تعود مقابلته على المقهى لن يأتى اليوم فلم يجد سببًا يجعله ينتظر على المقهى أكثر من ذلك بخلاف أن الساعة قد إقتربت من التأخر و هو يرغب فى الحصول على قسط مرضى من النوم لجسده .. فرحل الإثنان عن المقهى .. و حيثما كان يتجه أحمد أخذ يراجع ما دار فى الحديث فى عقله كيفما تعوّد أن يحدث نفسه و قد أثر الحديث فى نفسه كثيرًا رغم أنه لم يستمتع به حيث لم يفهمه الطرف الأخر . حينما عاد أحمد للمنزل شعر و كأنه بئر بترول على وشك إكتشافه .. حيث إنفجار تلك المادة السوداء أصبح وشيكاً !! فكان يشعر بسخط فظيع على حياته و أشتد أكثر و أكثر عليه كلما مر الوقت حيث تذكر كلام العجائز و الحديث عن اليأس و المرض الجديد و أخذ عقله يردد له تلك الأشياء بقسوة و كأنه يعاقبه !! سند أحمد رأسه بيده اليمنى و هو نائم على السرير و أخذ ينظر لسقف الغرفة و لكنه كان فى الحقيقة لا يراه فقد كان عقله منشغلاً بأفكار غريبة .. " بدأ العالم من الفراغ ، كان فراغًا حقًا لا يشوبه شائبة .. لا مبانى .. لا مصانع .. لا محلات .. لا شئ .. ، كان واسع جدًا و الآن يخبرونا أن كل هذا الفراغ بقوته أصبح قرية صغيرة ! .. كيف ذلك ؟!! .. كيف كل هذا العالم الفارغ أصبح قرية صغيرة .. و ماذا لو أمسى غرفة صغيرة ، ما العمل حينها ؟! " و قاطع تفكيره هاجس آخر فأخذ عقله يقسو أكثر فأكثر فى التفكير .. " لكل إنسان عالمه .. أليس كذلك ؟! ، نحن ندرك عالمنا ، أنا لى عالم إدراكى وحدى .. عالم لى وحدى و هم كلٍ منهم لهم عالم على حده ، كان عالمى واسع جدًا حينما كنت صغيرًا و أصبح قرية صغيرة فأمسى غرفة !! " .. و بينما هواجسه تحدثه و تحذره رأى أحمد فجأة عالم أبيض تمامًا لم يمتزج بياضه سوى برمال بنية اللون إختلط لونها بلون أبيض فجعل منظرها ساحرًا . إذا نظرت فى الإتجاهات كلها لن تجد سوى الفراغ الرائع و ما أحلاه ! .. ما أروع أن تركض فى مثل هذا العالم .. ! حيث أن لا شئ هنالك يعيقك و تشعر كأنك حصان أبيض كنت محبوسًا و فك أسرك الآن و بك طاقة لا نهائية من الركض . و الغريب أن ضوء الشمس لا يزعجك .. و الرمال من تحتك باردة كتلك التى تجدها عندما تقف بقدمك على مقدمة البحر و ترتطم بقدمك الأمواج إلا أن الأمواج المائية لم تكن موجودة فقط أمواج الهواء الرائعة ، أأنا فى جنة على الأرض ؟! رأى أحمد مرة أخرى غرفته بشكل مفاجئ فنهض مبطئًا و كأنه يستشير نفسه - و ليس عقله - فى أمر ما .. و كالعادة غسل وجهه و أنتظر قليلاً جالسًا على طرف السرير . و حينما حان الوقت للذهاب إلى العمل .. شعر برغبة حقيقية فى ترك العمل - على الأقل و لو ليوم واحد - فهو لم يأخذ أى أجازة منذ عهود - حسبما يشعر - أو ربما تُعالج تلك الأجازة ( حالة الفزع غير المفهومة ) التى يمر بها .. فأحيانًا شعر أحمد بإنه على مشارف الجنون .. بل و شعر بإن الجنون نفسه صديقًا له يشاركه كل أفعاله !! *** و هكذا .. مرّ يومًا طويلاًَ لم يفعل به أحمد شيئًا قط سوى إتصاله بمحمود الذى أطلعه على عذره لتغيبه عن المقهى البارحة و وعده باللقاء اليوم .. و ذهب أحمد إلى المقهى فى الموعد و وجد محمود منتظرًا هذه المرة و بعد إلقاء التحية و الجلوس بدء محمود الحديث بـ : - هى الأحلام مرة أخرى .. وجهك يكاد ينطق و فمك منطبق ، بماذا حلمت هل نفس الحلم عن الغرفة البيضاء ؟! حاول أحمد أن يغير من وجهه قليلاً - و لم يستطع - و لكنه رد باسمًا بسمة عمرها أقل من لحظة ! - أنت تعرفنى بالفعل ... و ربما تفهمنى ... و لكن هل تظن بإن أحلامى طبيعية .؟ هل تشعر بإنى مجنون .. تجاهل أحمد الرد على وصف الحلم ، و لم ينتبه محمود لذلك و لكنه ردّ : - أطلعتك على ما عندى مسبقًا ، لا بديل عن الطبيب النفسى .. لا أقصد أنك مريض و لكن هل الإطمئنان عيبًا ؟! ألا تدرى أن كلنا مرضى !! - فكرت فى ذلك و ذهبت مسبقًا و لم ينفع كلامه فى شئ ، مهدئات ساذجة و بعض الأدوية البالية .. ، أنا متيقن و أنت كذلك بإن ما بى لا يصلحه الطب النفسى .. ( لا ) لم يتوصلوا لعلاجى أو لحالتى بعد !! ربما فى المستقبل ... !! ، هل تعلم بإنى لم أذهب للعمل اليوم ؟! قطب محمود وجهه فجأة و صاح فى أحمد : - كنت تفصل بين هواجسك و عملك ، أنت تعشق عملك .. ماذا حدث لك ؟! .. لماذا .... لماذا الآن ؟ فرد أحمد : - لإننى أتخذت القرار أخيرًا .. القرار الذى يحمل علاجى معه . - أى قرار .. تردد أحمد كثيرًا .. فأغمض عينه للحظات ثم إبتسم و قال : - أراها الآن كما لو كانت تنادينى . فأسرع محمود و هو يرد البسمة التى وصلته : - هل تقصد الزوجة ؟ أخيرًا أتخذت القرار .. فرد أحمد و هو مبتسم بطريقة لا معنى لها : - لا ... بل الصحراء .. و فى اليوم التالى حزم أحمد حقائبه .. و حمل خيمة معه .. و ركب سيارته .. و هرب من الغرفة الصغيرة السوداء .. *** إنتهى 17/8/2009 بقلم / مصطفى ســلامه |
إجمالي مرات مشاهدة الصفحة
الثلاثاء، 20 مارس 2012
الحوائط (قصة)
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق