| تاريخ الكتابة | 24-1-2010 |
| العنوان | حتى أفيق |
| النوع | قصة قصيرة |
حتى أفيق
دلفت إلى الطريق خارجًا من باب عمارتى ملتقيًا بالشارع ، و هو ذاك الشارع القابع فى الحى العريق – مسبقًا إذ صحت التسمية – حيث كان حيًا خاصًا بالأثرياء أو كما يسمونهم الأرستقراطيين و لم يتبقى أى أثر للأرستقراطية سوى تلك الفيلا التى إتخذت من ناصية الشارع مكان لها ، و الحق أنها الآن أصبحت أطلال .. ليست أطلال أحجار فحسب بل أطلال ذكريات و عراقة !!
حال شارعنا الآن ليس كالسابق إطلاقًا فتجد عمارات و أبنية عن يمينك و عن يسارك و الشارع عرضه خمسة أمتار و بإختصار أنقلبت الإرستقراطية إلى الشعبية ، و كل ذاك كنت ألاحظه و أنا ذاهب للعمل أو من حكايات المقاهى حيث إعتاد الكبار أن يتذكروا أيام الماضى .
و بينما أنا ذاهبّ لعملى فى أحد الأيام وجدت عمالاً يأتون إلى الشارع شارعيين فى بناء صف من العمارات داخل الشارع نفسه و لا أدرى هل هى بلاهة منهم أو غباء من المستثمرون و المقاولون فبهذه الطريقة سيضيق الشارع أكثر فأكثر .. ، أما الغريب فى الأمر أننى إعتدت رؤية العمال ينجزون مهامهم بسرعة فائقة فكنت أذهب للعمل و أعود أراهم أوشكوا على الإنتهاء من صف العمارات الجديد و فى غضون أسبوع كانوا إنتهوا منه .
و حيث إعتدت أن أجلس فى الصالون فى منزلى وحيدًا و كوب من الشاى فى يدى سمعت صراخًا .. لم أفهمه بدايًة فبدا لى صراخ طفل صغير .. أو ربما عويل كلب أصابه طلق نارى .. المهم أنه صوت صراخ ضعيف يشبه الأنين لحد كبير ، فركضت كما ركض غيرى الكثيرون لشرفاتهم ليقتلوا فضولهم و يعرفوا صاحب هوية هذا الصوت .. ، و المفاجأة أنها كانت قطة .. كان صوتها غريبًا بحق .. يقترب قليلاً من صوت القطة الجائعة عندما تنظر فى عينيك و تموء .. و لكنه ريثما يتحول إلى صوت خشن .. فتارة ذاك و تارة كذلك ..
و الغريب أن وقتها كل ذلك لم يثيرنى .. لإنك عندما ترى غريبين أحدهما أكثر غرابة من الآخر فسرعان ما تنسى إندهاشك للأقل غرابة .. و لا أعلم إن كنتم ستصدقونى فيما سأقوله أم لا .. فالأمر قد يبدو غير واقعى و لكن ما حدث أنى رأيت من الشرفة أن عرض الشارع بعدما أصبح خمسة أمتار أمسى أقل من عشرة سنتيمترات .. فقد كان العمال يبنون العمارات و أهالى الشارع غائبون عن الوعى .. كل منهم منشغل بماسأة الحياة ..
و أما العمال فكانت سرعتهم فائقة و المقاولون هدفهم الكسب المادى .. و لذلك لم نشعر حتى بإن الشارع يضيق ..
و عندما نزلت من باب عمارتى فى اليوم التالى وجدت حائط أمامى .. لا أستطيع الخروج .. فأنا مسجون فى بيتى !!
و ظل حديث الشارع لأيام عن تلك الحادثة .. الكل يتسائل : ماذا سنفعل ؟ كلموا المسئولين !! أين كنا و كيف صمتنا ؟
و باتت الأسئلة غير مجدية الآن و الكل ظل محبوسًا فى بيته أما أنا ففى اليوم الثالث وجدت طريقى .. فظللت أقفز من على السطح إلى السطح حتى وصلت لجهة لم أراها من قبل .. و إزداد إندهاشى لما رأيته .. حيث رأيت صحراء فارغة .. رأيت رمال صفراء .. شمس ترسل ضياء زرقاء لا بأس بها .. طقس ليس بالسئ .. مهلاً مهلاً .. إن كان أمامهم كل تلك الصحراء لماذا أصروا على شارعنا ؟!
جلست القرفصاء على الرمال الصفراء متحسسًا ذرات الرمال بين أصابع قدمى و الغريب أن الشمس لم تضايقنى و لم أشعر بالعطش .. و نظرت لمستطيل شارعنا الذى أصبح مجرد عمارات تتزاحم كما لو أنهم بشر يريد كل واحد منهم أن يجد موضعًا لقدمه فلا يجد !!
و بينما أنا جالس قلت فى نفسى .. لقد طالت ساعات النوم .. فمتى أفيق أو يفيق معى الأخرون ؟!!
مصطفى سـلامه ( 24-1-2010 )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق