كى أغادر هذا المكان
مدخل :
هبطت اللافتة الضحمة التى عُلقت ما بين إحدى أحبال غسيل و عمود من أعمدة النور على الشارع ، اللافتة سقطت على عربة نقل كانت تسرى فى حالها ، و حينها فقط و كأن القيامة قامت ، أسرع العبور و أصحاب الشأن لإعادة وضع اللافتة مرة أخرى فى موضعها ، و أنا كنت فى حالى أراقب المشهد من بعيد حتى أنتهوا من تعديلها و تثبيتها مرة أخرى بين العمود و الشرفة و قد تأكدوا هذه المرة من أن الرياح لن تؤذيها و زادوا من كمية الثقوب التى أخترقتها حتى يعبر الهواء بسلام من داخلها ولا يوقعها و لا تضر أحد ، و رأيت مكتوبًا عليها بخط أسود ..
( المحامى / سعيد النمر يُهنئ أهالى الدائرة بحلول عيد شم النسيم ) ..
ضحكت من كل أجزاء جسدى حتى من أصبع قدمى الصغير ، فمنذا الذى يُهنئ الناس بحلول شم النسيم إلا إن نوى أن يُرشح نفسه للإنتخابات الواتية فى خلال شهرين .. إنتخابات مجلس الشعب ، و كان نفس الشخص قد هنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد مسبقًا ، و هو نفسه الذى هلل لحضور الأضحى للأخوة المسلمين ، و بالطبع بارك للرئيس على حلول موعد قيام الثورة .
و بعدها بشهر و نصف فعلاً قرأت بملئ عيناى يافطة عليها : ( المحامى / سعيد النمر ، مرشحكم لمجلس الشعب ، نحن من نفعل و هم يقولون )
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم الأول :
أخذت طريقى إلى جريدة ( بين الناس ) ، و هى جريدتى التى عملت بها محررًا منذ أن تخرجت ، أى منذ ثلاث سنوات ، معظم العاملون بها من الشباب ، و طريقى إلى الجريدة لا يحتاج مواصلات فهى تقبع بجانب مسكنى بحوالى ثلث الساعة سيرًا على الأقدام ، أعتدت المشى يوميًا لها نوعًا من الرياضة ، حفظت الطريق لدرجة لا توصف .. فى البداية أتمشى حوالى عشرة أمتار ثم أتجه يمينًا و هكذا أصل للشارع الرئيسى ، هذا الشارع الذى وقع فى حى متوسط الرقى و تستطيع أن تستدل على ذلك من أنواع العربات الراكنة على الصفين ، و الإعلانات المعلقة على المحلات بطريقة غير إحترافية لجذب الجمهور كـتلك اللافتة التى وضعت على سبورة خشبية و كتبت على ورق سميك لونه أحمر بخط اليد الردئ ( يوجد شحن على الطاير لجميع أنواع الخطوط ) ، و فوقنا كانت أسماء المرشحين معلقة على مختلف أنواع القماش ، و بينما كنت هائمًا على وجهى أسير متباطئًا وجدت قدمى تقف فجأة و لا أعلم كيف كان وجهى حينها و لكن ما أتذكره هو أن حالة من الإندهاش
و ( الدربكة ) أحلّت بعقلى الذى لم يستوعب حينما قرأت :
و ( الدربكة ) أحلّت بعقلى الذى لم يستوعب حينما قرأت :
( سعيد النمر يبايع مرشح حزب(******)1 عادل عبيد ، معك دائمًا و أبدًا ) ..
ثم أكتسى الشارع بإسم ( عادل عبيد ) كأنما ولد الشارع بعمارته و محلاته و ناسه و لافتات
( عادل عبيد ) !!
خرجت من هذا الشارع لأمر بالشارع الكبير الذى كان علىّ عبوره و لكن السيارت كانت فيه سريعة بحق أسرع من عبور الوقت فى الأوقات السعيدة ، و لم أرد مباغتة سائق أو رمى نفسى بين يدى الهلاك فأنتظرت حتى أتى شخص آخر ليعبر معى و تعمدت أن أجعله يسبقنى ، حتى إذ أتخذ هو قراره بالعبور سارعت أنا بالمشى - أو الركض - على نفس الخط الذى يعبر عليه !
و حين أنتهى من مشقة عبور الشارع يواجهنى سور نادى ( **** )2 ، أحد الأندية الإجتماعية و قد إعتدت السير بجانب السور حتى نهايته ، و مرة أخرى أجد يومى غريبًا حين لمحت شحاذًا نطق منظره بقمة الإتساخ يقول ( تعالى .. تعالى .. يا حيوانة .. يا سافلة ) و ما إن تعمقت فى الإدراك حتى علمت أنه ينادى قطة صغيرة ، ثم وجدته يقوم متجهًا ناحيتى فأسرعت أنا الخطى بجبن واضح باعدًا نظراتى عنه حتى لا أثير فيه أى إنفعال تجاهى و أنا الذى تعمدت دائمًا البعد عن المشاكل .
بالفعل إبتعدت عنه قليلاً و كاد كتفى أن يصطدم بكتفه و لكنى تجنبت حدوث الإصطدام برشاقة ، و ظللت أسرع فى حركة قدماى و أزيد السرعة حتى كنت لا أشعر بقدمى و هى تهبط على الأرض . و أمرت عينى بإلا تنظر إلا على نهاية الرصيف حيث الجريدة التى أعمل بها ، كان الفضول حينها كمنبه يرسل أصواته الصاخبة فى السابعة صباحًا حيث يغشيك النعاس و لكن لابد من القيام بإطفائه ، و بالفعل كان يجب أن أطفئ فضولى و أنظر للرجل مرة أخرى لسبب لا أعرفه و لكنه كان كفيلاً بإثارة فضولى بطريقة لم تحدث لى من قبل طوال حياتى كلها ، فأعدت أرسال نظراتى له فوجدته يمسك بالقطة الصغيرة المتعفنة و يغمرها بالقبلات عاتبًا : ( متبقيش تبعدى تانى ) !! كيف يستطيع هذا المقزز أن يٌقبل تلك القطة العفنة !!
وصلت للجريدة ، مبنى صغير كان فيلا فى الأصل ، مكتوب على أعلاه ( بين الناس ) و بخط صغير ( جريدة مستقلة من بين كل المصريين ) ، و قد بدا على المبنى فى التصميم تشابه مع التصميمات الفرعونية للمعابد القديمة ، دخلت مسرعًا و وضعت الكارت الخاص بى فى الآلة دلالة على وصولى ، و صافحت كل الموجودين و أتجهت لمكتبى الذى تقاسمته مع أربعة آخرين لكل منا مكتب وحده بداخل الغرفة ، و جاءت حينها نادية - زميلتى بالمكتب - و قد وضعت بحركة تلقائية كوب النسكافيه الخاص بها على المكتب و قالت : ( مالك ؟ ، وجهك مائل للصفرة ) ..
رددت :
- أبدًا ، لا شئ ..
صمتّ قليلاً ، ثم صححت المعلومة :
- بل هناك شئ !! ..
و عندئذ أبت شفتاى أن تعبر عما بخلدى فظللت أتمتم :
- هـ .. هل يعجبك حال البلد ؟ أقصد هل أنتى سعيدة .
صمتّ قليلاً ، ثم صححت المعلومة :
- بل هناك شئ !! ..
و عندئذ أبت شفتاى أن تعبر عما بخلدى فظللت أتمتم :
- هـ .. هل يعجبك حال البلد ؟ أقصد هل أنتى سعيدة .
حتى قالت هى و قد كانت تغالب ضحكها :
- و لماذا تسأل و أنت تعرف الجواب ؟ لازلنا دولة من دول العالم الثالث فكيف أكون سعيدة
- إذن ، فكيف نصبح دولة من دول العالم الراقى ! ؟
نظرت لأسفل قليلاً و حملقت فى شئ مجهول بالأرض ، كانت تفعل هذا حينما تُفكر و عدلت من خصلات شعرها التى أنزلقت على جبينها و قالت بثقة :
- أنت مثقف و صحفى و مواطن رائع ، لو كان الكل مثلك لأنحلت العقدة !
- و لماذا تسأل و أنت تعرف الجواب ؟ لازلنا دولة من دول العالم الثالث فكيف أكون سعيدة
- إذن ، فكيف نصبح دولة من دول العالم الراقى ! ؟
نظرت لأسفل قليلاً و حملقت فى شئ مجهول بالأرض ، كانت تفعل هذا حينما تُفكر و عدلت من خصلات شعرها التى أنزلقت على جبينها و قالت بثقة :
- أنت مثقف و صحفى و مواطن رائع ، لو كان الكل مثلك لأنحلت العقدة !
يا لها من فيلسوفة غريبة لا تخلو من الحقد ، قد تضغط على رقبتى لتصعد الدرج لأعلى هذا هو إحساسها تجاهى ؟ فماذا هو إحساسك تجاهها ؟ و من أين تأتى بهذه العزيمة لتصبح الأفضل ؟
أكملت و قد أعتلى وجهها تقطيبة تركيز و حاولت أن تضغط على مخارج الألفاظ :
- المهم الآن الأنتخابات ..
- المهم الآن الأنتخابات ..
- ما من مشكلة سنغطى معًا الدوائر التى كلفنا بها !!
- نعم و لكنى أردت أستبدال معك دائرة ( *****)3 ، من الصعب علىّ الذهاب لهناك ..
- لا بأس ، سأغطيها بدلاً منك .
- نعم و لكنى أردت أستبدال معك دائرة ( *****)3 ، من الصعب علىّ الذهاب لهناك ..
- لا بأس ، سأغطيها بدلاً منك .
و عبر اليوم على خير ، و بينما أنا ذاهب للبيت لمحت الشحاذ الذى كنت أراه لمدة شهرين سابقيين و أندهش له يوميًا كما لو كنت أراه للمرة الأولى ، و لمحت اللوحات المعلقة المعلنة عن المرشحين كم تغير حال هذا الشارع بين عشية و ضحاها .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم الثانى :
فى البارحة قررت الذهاب لشرب فنجال القهوة فى الشرفة ، كنت مستمتعًا بنسيم الليل و هو يضرب وجهى برفق و حينما أدخله لصدرى أشعر بقلبى و قد واتته برودة لذيذة ، و لكن فجأة سمعت صيحات و هتافات و ظللت أقلب وجهى بين الأتجاهات المختلفة حتى دخلت شارعنا مظاهرة ضخمة تصرخ ( ****** ** **** )4 ، و مرشح (******)5 كان يعبر على الجميع و يصافح أصحاب المحلات بحيوية رائعة و وراءه ما لا يقل عن الأربعمائة شخص من شباب و شيوخ و نساء و حتى أطفال صغار كما لو كان كرنفال يعبر من تحت منزلى ، و قد أعجبنى أسلوب دعايته !
و حينما سرت فى الصباح طالعتنى اللوحات المعلقة كوجوه مرعبة ، شعرت حينها أننى أصبحت أتمشى فى عالم من القماش ، و تعمقت فى الخيال كأننى أمسك بسيف و أغرزه فى عالم القماش اللانهائى الأبيض الذى أمامى ثم أقطع منه جزء بسيط فأعبر منه و أكرر العملية حتى أستطيع السير فى عالم القماش - شارعنا مسبقًا - حتى أفقت حينما وصلت للشارع الذى يصعب عبوره ، و لكن هذا اليوم كنت محظوظ و عبرت سريعًا ..
فوجدت الشحاذ جالس ، إندهشت مرة أخرى و أبتلعت ريقى بصعوبة ، ظللت أتابعه من بعيد و أنا غير مصدق ، الرجل كان يصلى و هو راقد على الأرض ، ما أكد لى أنه يصلى حركة إنهاء الصلاة التى قام بها ، حيث يتلفت بوجهه يمنة ثم يسرة !! .
طوال شهرين و هذا الرجل يفاجئنى بعجائبه ، جاء إلى هنا و أول ما جاء وضع غطاء ثقيل من أغطية الشتاء كان لونه أحمر و به بعض النقط الزرقاء الغامقة إفترشه على الأرض و نام عليه و قد وضع عليه غطاء صوف يحميه من البرد ، كنت أحيانًا أعبر من أمامه أجده نائمًا ماسكًا القطة الصغيرة البرتقالية فى حضنه ، فى البداية كانت تشبه الفأر حين وجدها و الآن هى قطة شابة ، و القطة و الرجل تغطيهم الوساخة بالكامل ، كما لو كانوا معتادون الغطس فى بحر من بحار الوحل يوميًا ، الرجل أختفت شفتاه بين غزارة لحيته السوداء المخيفة ، و ألاحظ دائمًا أنفه العملاق الذى أكل نصف وجهه ، يرتدى قميص أزرق و بنطال أسود و قد أختفى اللون الأزرق تحت الإتساخ أما اللون الأسود فقد أصابه الجرب !! و لهذا فكان صعبًا علىّ تمييز الألوان فى البداية !! ، أما القطة فقد عرفت أن أصل لونها برتقالى بالصدفة ، و دائمًا ما تشعر لإنتصاب شعرها الذى يكسيها كأنها قد صعقت كهربائيًا للتوّ !! ، ولا أعلم حتى الآن ما سر تعلقى بهذا الرجل ، حتى أنى كنت أعتبره صديقى الذى أراه يوميًا مرتان فى أثناء ذهابى و إيابى من العمل ، لم أراه يومًا يمد يده طالبًا المال ، طوال شهرين لم يتملقنى بكلمات أو ينافقنى بإدعية كان فقط متشرد ، يجلس مع قطته فى الفرشة التى وضعها على الأرض فى سلام , لمحته يومًا يقرأ القرآن ، و مرة أخرى يقرأ كتاب لمصطفى محمود !! ، و لا أعلم من أين أتى بهما !! ، و مع ذلك تشعر بجنونه يخرج من فمه حينما يظل يسب و يلعن فى مجهول بإقذع الألفاظ و أشدها قسوة ، هو شحاذ أو متشرد لم أر مثله فيما مضى ، بل و قد يكون الأغرب منذ بدء الحياة على كوكب الأرض !! .
و فى العمل هذا اليوم أنتظرت كالمعتاد أن تحدثنى نادية عن الأنتخابات ، و لم يطرأ جديد على سكينتى إلا عندما قالت لى :
- هل أنت مستعد ؟ ، الإنتخابات غدًا ..
رغم أن الجملة كنت أعرفها و أتقنها تمام الإتقان ، إلا أنها أصابتنى بربكة لم أفسر لها معنى و لكنى رددت عليها :
- طبعًا !
سـألتها و قد تزحلق السؤال من على لسانى - حيث لم أكن أريد لأسألها - :
- لماذا أخترتى الصحافة يا نادية ؟
كعادتها تنظر لأسفل و تداعب خصلات شعرها الأسود الناعم حينما تفكر ، أجابت بكل سهولة :
- لأننا من نغير الوطن ..
- لأننا من نغير الوطن ..
أكملت سؤالى ..
- وحدنا ..؟ .
فكرت قليلاً كأنها تستعيد من ذاكرتها شئ ما ثم واصلت :
- لا بالطبع ، فمن لهم السلطة و من معهم المال أيضًا يشتركوا معنا ، و الكل حسب فكره فطالما أنهم يسيرون بطريق الخير سيجعلوا من وطننا شئ أفضل بشرط كما قلت حسن النوايا ، إما إن كان الطريق للشر فـ ..
- لا بالطبع ، فمن لهم السلطة و من معهم المال أيضًا يشتركوا معنا ، و الكل حسب فكره فطالما أنهم يسيرون بطريق الخير سيجعلوا من وطننا شئ أفضل بشرط كما قلت حسن النوايا ، إما إن كان الطريق للشر فـ ..
- لا تكملى ، مفهوم ..
ضحكنا سوّيًا ، و خرجنا من أجواء التوتر التى أصابتنا كلما تذكرنا أن غدًا سيكون اليوم الهام.
و أخذت طريق العودة للمنزل و لمحت الشحاذ ، و مرة أخرى أشعر كأنى أندهش لأول مرة حين أراه ، أما هذه المرة فكان ما يفعله يثير فىّ الشكوك حتى أنى تخيلت أنه جاسوس أتى إلينا من المريخ لا محالة ، كان الرجل يقرأ كتاب ، حاولت أن أتفحص إسم الكتاب و لم أعرف و لكنه بدا لى تقريبيًا أنه أحد كتب الصفوف الإبتدائية للمدراس !! ، أرهقت عقلى الباحث عن الحقيقة التساؤلات ..، فأى شحاذ أو متشرد هذا الذى يصر على الصلاة و القراءة ؟! هل هذا الرجل مجنون أم نحن المجانين ؟ أم أننا فى عالم اللامعقول !!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم الثالث :
إنقلبت الدنيا رأسًا على عقب و أنا ذاهب للجريدة ، الكل يثور للإنتخابات ، و المرشحين يجوبوا الشوارع بحثاً عن المناصرين ، ضحكت مرة أخرى لأن الفائزين نعرفهم قبل أن تبدأ ، و بينما أنا فى طريقى إلى الجريدة فى السابعة صباحًا بمحاذاة سور نادى (*****)2 أنعم بلطف الهواء الذى كان يدغدغ وجهى و تلك الشمس التى كظمت غيظها بعضًا من الوقت ، تملكتنى حالة غريبة من الضياع و اليأس ، ظننت فى البداية أن هناك خطأ ما قد وقع فى العالم و لكن الحقيقة هى أن الشحاذ قد تركنا .. تركنا و رحل للأبد ، لماذا ؟! و لماذا أهتم به ؟! شعرت بإننى أخطأت فى حقه ، أو أننا حى سئ لأننا لم نحسن ضيافته ..
و لكن لماذا أهتم به ؟!
ذهبت للعمل و كلى يأس و تعاسة و يكاد وجهى أن يصرخ فى العالم كله لسبب مجهول و لعله يسمى الشحاذ ، قابلت رئيس التحرير الذى راجع معى مهامى جيدًا ، كنت أذهب للجان الإنتخابية و أأخذ بعض الصور و أجرى حوارات و أراقب الأوضاع ثم أستفسر عن الفرز و موعده و أرحل ، كانت اللجان متشابهة إلى حد كبير ، هناك بعض المدارس أعطوا طلابها أجازة و قلبوها لجان للإنتخابات فيذهب المواطن بداية إلى طاولة وضعت عليها إستمارة الترشيح ثم يدون بها إختياره و يدخل وراء الستار لمكتب ثم يضعها فى الصندوق المهترئ و يضعوا على يده الحبر الفسفورى و يرحل ، و أمام أول لجنة إنتخاب أذهب لها سعدت لأنى إستطعت تصوير مهازل أمام لجان الإنتخابات من معارك بالشوم و السكاكين و مشتقاتيهما !!
و الطريف أنى كنت محظوظًا جدًا لدرجة أن المهازل تكررت أمام كل اللجان التى ذهبت إليها .. فظللت أصور و أصور و أصور كل ما أراه جديرًا بلفت نظر رئيس التحرير و القرّاء و تخيلت نفسى بطلاً بعد كل هذا الكم من الصور ، حتمًا سيعطونى مكافأة و لربما يرى صورى جرائد كبرى فيطلبونى للعمل معهم .
رأيت المشهد فى الطبيعة أولا ، ثم أدخلت عيناى داخل عين الكاميرا الزجاجية و رأيته من داخل الكاميرا ، كان هناك أحد الأشخاص من أصحاب السكاكين و الجلابيب يطوّح سكاكينه ذات اليمين و ذات اليسار ، أنتظرت حتى تأتى اللحظة المناسبة ، إن اللحظة المناسبة هى أهم ما فى الصورة ، ها قد جائت ....
- ماذا تفعل ؟ ، ممنوع التصوير
إلتقطت الصورة ، مهلاً إنها صورة ليد معتمة ، تركت عين الكاميرا و نظرت فوجدت ضابطًا يقول :
- أأطرش أنت ؟ ، قلنا ممنوع التصوير ، أعطنى الفيلم
تملكنى الرعب فجأة ، لم أستطع السيطرة على قدمى اليسرى التى كانت تهتز بدون رأفة ، و الضابط واقف أمامى بشاربه و منكبيه العريضين كآلة الإعدام ، و لكن علىّ يومًا ما المجازفة ، إخترت هذه المرة أن أتجه نحو المشاكل ، لحظة شجاعة واحدة لأول مرة فى حياتى عليها أن تخرج ، و الآن .. ، رددت عليه بصوت غاضب و لكنه مليئ بالرعشة :
- و ماذا تحسب نفسك ؟ ، هناك حرية فى البلد
أدرت ظهرى و لايزال قلبى يضرب ضلوعى من كثرة الخوف ، كان عقلى حينها غير واعيًا تمامًا بالموقف ، و تصبب منى العرق كشلال على قميصى و بنطالى ، كنت أشعر بظفر لا واقعى و لكنى أحسست حينها بيد قوية تمسكنى من كتفى و تدير ظهرى ، فوجدت الضابط أمامى مرة أخرى ، و أخذ الكاميرا منى ، و الآن فعلىّ الصمت الأبدى ، ثم أخرج الفيلم و وضعه بجيبه و قال :
- هل صورت أفلام أخرى ؟
بمنتهى السذاجة يظننى ، و بمنتهى السذاجة كنت أنا :
- تفضل ..
أعطيته كل ما صورته ، ياللجنون !! ، ثم قذف هو الكاميرا بعيدًا و بحث فى جيوبى عن المزيد من الأفلام و لم يجد .. ، و رحل دون أن يهمس أى همسة .
و سرت من أمام اللجنة و قد غمر حذائى الرمال ، حيث أن اللجنة وضعت بمنطقة كثر فيها الرمال عن الأسفلت ، كانت الوقت لايزال مقتربًا من العصر ، و قد ضاع صباحى و نهارى كله بلا فائدة فبعد أن صورت كل تلك المهازل الآن سأعود خائبًا للجريدة ، بلا شى ، و الحكايات عن الإنتخابات لن يصدقها فرد دون صور ، و لن أجرؤ على التصوير بعد الآن !!
ظللت أتفحص بنظرة أخيرة طابور المنتخبين ، سيدة عجوز ، رجل فقير الدخل ، شاب تم سن الرشد هذه السنة بدا عليه البلاهة ، سيدة بدينة بدانة الدب القطبى ، رجل كرشه خلق كرة ضخمة أمامه تشبه كرة الأطفال البلاستيكية الملونة التى يلعبوا بها على البلاج ، ..... مهلاً ... إنه الــ .....
م .. ماذا أتى به لهنا ؟
آوه ، الآن أدركت لمَ غادر هذا الخبيث صباحًا ، لعله قد قرر الشحذ من أمام لجان الإنتخابات حيث العدد الكبير من الناس ، و أنا الذى إعتبرتك يومًا من الأيام صديقى !! ، ما هو فى النهاية إلا مجنون أو خبيث .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم الرابع :
تربعت نتائج الإنتخابات على عرش عناوين الصفحات الأولى بالجرائد ، و بالطبع نهرنى مدير التحرير الخاص بقسمى بشدة لقلة الصور ، حيث أننى إستطعت إلتقاط صور قليلة من أمام لجان أخرى بهاتفى النقال حتى لا يرانى أحد ، و قد رأيت فى وجه نادية شيئًا من الشماتة فىّ .
و لكن ما إن قرأ مدير التحرير تقريرى عن الإنتخابات حتى اُعجب به و قال :
( أتعرف ، لولا أن لك أسلوب رائع ما كنت أبقيت عليك بالجريدة !! )
و رحلت عن مكتبه حينما أشار لى بيده كأنه يهش ذبابة ، و فى هذا اليوم أيضًا لم أرى الشحاذ و أنا ذاهب فى الصباح للعمل ، و أما شارعى فقد إعترى تمامًا من القماش و لا أحد يعرف أين ذهب ؟ و جاءت نتيجة دائرتنا فوز مرشح ( *******) ، و إعادة فى حالة مرشح (******) مع أحد المستقلين ..
و ذهبت لنادية و سألتها :
- أنتى محظوظة لأن الضباط ما لمحوك !
فأنفضت يداها فى وجهى و هى تقول ( خمسة و خميسة ) .
- هل فكرتى يومًا ما أن تنتخبى ؟
- أفقدت عقلك يا حسن ؟ بالطبع أصواتنا ستذهب هباءً !! ، و سينجح فى النهاية من أرادوا له النجاح !
- معك حق ، انا نفسى لم أمتلك يومًا بطاقة إنتخابية و لم أرشح أحدًا فى حياتى .
فأنفضت يداها فى وجهى و هى تقول ( خمسة و خميسة ) .
- هل فكرتى يومًا ما أن تنتخبى ؟
- أفقدت عقلك يا حسن ؟ بالطبع أصواتنا ستذهب هباءً !! ، و سينجح فى النهاية من أرادوا له النجاح !
- معك حق ، انا نفسى لم أمتلك يومًا بطاقة إنتخابية و لم أرشح أحدًا فى حياتى .
تركت العمل ، و أنا عائد لمحت الشحاذ ، ذهبت له فورًا حينما وجدته لايزال يقرأ فى كتابه الغريب الذى يخص طلاب المدارس الإبتدائية ، كنت أشعر بضرورة مواجهته أو معرفة قصته ، طوال الشهرين و أنا أعتبر هذا الرجل صديقى حتى تجلّت حقيقته البارحة ، وقفت أمامه و قد كانت القطة تلعب فى يداه ، ظللت ثوانى أشاهده و هو يقرأ و القطة تختبئ خلف ظهره و تعود مجددًا ، حتى قلت له :
- مساء الخير ..
ظل يحشرج و يهمس بكلمات غريبة و لم أيأس من أنه سيرد علىّ و ألقيت السلام مرة أخرى بصوت أعلى ، حتى نظر لى و رد :
- ماذا تريد ؟
رددت عليه بشجاعة لا أعلم من أين أتت ؟ :
- لم أراك يومًا تمد يداك و تسأل عن مال ، و لكن البارحة رأيتك فى أحد اللجان الإنتخابية ، لماذا ؟
- لم أفهم ، عماذا تسأل ؟
- لماذا لا تطلب مننا و تطلب ممن فى الأحياء الأخرى ؟
رد علىّ بمفاجأة :
- أنا لست بشحاذ ، و لم أمد يدى لأحد ، و من يريد فليعطينى ..
ثم نظر لى نظرة إستهزاء :
- و البارحة ذهبت لأنتخب ، لا لأ شحذ ..
نظرت له و أنا أقهقه بإحترام و سألته :
- تنتخب ؟ ، و لماذا تنتخب ؟
قال لى و قد إرتسم على وجهه إنفعال صارخ :
- ألا ترانى كيف أعيش ؟ ، هل ترى السور الذى أضجع عليه يوميًا ؟ هل تظن بإن حياتى تعجبنى فى هذا المكان الذى حُشرت فيه مرغمًا !؟
بمزيدًا من الصراخ :
- أنت لا تعرف ما هو ماضىّ ، و كيف جئت إلى هذا المكان ؟ ، تهتم فقط بإتهام الناس ، مم دعنى أخمن .. وكيل نيابة بلا شك ، أو صحفى ، ربما محامى ، أيَا كان ففى الماضى لم تكن مثلى أبدًا ، ما وصلت لمثل ما وصلت أنا من العظمة و فى الحاضر تنعم بكسلك .
ظل يحشرج و يهمس بكلمات غريبة و لم أيأس من أنه سيرد علىّ و ألقيت السلام مرة أخرى بصوت أعلى ، حتى نظر لى و رد :
- ماذا تريد ؟
رددت عليه بشجاعة لا أعلم من أين أتت ؟ :
- لم أراك يومًا تمد يداك و تسأل عن مال ، و لكن البارحة رأيتك فى أحد اللجان الإنتخابية ، لماذا ؟
- لم أفهم ، عماذا تسأل ؟
- لماذا لا تطلب مننا و تطلب ممن فى الأحياء الأخرى ؟
رد علىّ بمفاجأة :
- أنا لست بشحاذ ، و لم أمد يدى لأحد ، و من يريد فليعطينى ..
ثم نظر لى نظرة إستهزاء :
- و البارحة ذهبت لأنتخب ، لا لأ شحذ ..
نظرت له و أنا أقهقه بإحترام و سألته :
- تنتخب ؟ ، و لماذا تنتخب ؟
قال لى و قد إرتسم على وجهه إنفعال صارخ :
- ألا ترانى كيف أعيش ؟ ، هل ترى السور الذى أضجع عليه يوميًا ؟ هل تظن بإن حياتى تعجبنى فى هذا المكان الذى حُشرت فيه مرغمًا !؟
بمزيدًا من الصراخ :
- أنت لا تعرف ما هو ماضىّ ، و كيف جئت إلى هذا المكان ؟ ، تهتم فقط بإتهام الناس ، مم دعنى أخمن .. وكيل نيابة بلا شك ، أو صحفى ، ربما محامى ، أيَا كان ففى الماضى لم تكن مثلى أبدًا ، ما وصلت لمثل ما وصلت أنا من العظمة و فى الحاضر تنعم بكسلك .
حاولت معرفة ماضى هذا الرجل ، الذى جعل من الشارع منزله و أبى أن يمد يده للشحذ و السؤال !! و لكنه رفض أن يطلعنى على سره ، كل ما فهمته منه أن صدق أنه بإمكانه التغيير و التجديد و من لا يصدق فليس من حقه الإعتراض هكذا قالها و ظلت تتردد فى ذهنى :
( من لا يصدق فليس من حقه الإعتراض ) ..
عشت حياتى أبحث عن صديق .. فلا أصدقاء لى ، و لكن هذا الرجل .. هذا الرجل أعطانى صورة غريبة لم أكـن أراها لنفسى .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
اليوم السابع ( بعد مرور ثلاثة أيام) :
تعمدت أخذ تاكسى حتى لا أمر بالشحاذ فى اليومين الماضيين خوفًا منه لسبب مجهول ، و جاءت لى نادية هذا اليوم فقالت :
- مقالتك عن ذاك الشحاذ الذى ذهب لينتخب هزت الرأى العام ، مبروك ..
كانت هى مهتمة بنجاحى بينما أهتممت أنا بشئ آخر فقلت لها :
- أنا و أنتى نجلس هنا ، بينما هو واتته العزيمة ليصدق أن المستحيل يمكن هزيمته ..
سيل من الكلمات يهبط على عقلى فيعذبه ، هكذا هى الكلمات تؤلم ، تريح ، تعذب ، تفرج الأسارير ..
( أنت لا تعرف ماضىّ و ما بلغت من العظمة كيفما بلغت أنا ! )
( حشرت فى هذا المكان مرغمًا ) .. ( حشرت فى هذا المكان مرغمًا )
( بمن يتيغر الوطن يا نادية ؟! هه بمن يتغير الوطن )
سمعت صوتًا يقطع أفكـارى :
- و لماذا تبكى الآن يا حسن ، أراها دموع الفرحة ، أليس كذلك ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 : حزب سياسى فى مصر .
2: نادى إجتماعى بالقاهرة .
3 : حى شعبى بالقاهرة .
4: مقولة شهيرة يستخدمها البعض فى الإنتخابات .
5 : إسم لشئ ما مُتعلق بالإنتخابات
ملحوظة : القصة لا تحمل أى معنى سياسى و إن تشابهت الأسماء فهو تشابه خيالى محض الصدفة ، و القصة فى الأصل تحمل معنى للنفس البشرية ..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق