| تاريخ الكتابة | 1-5-2009 |
| العنوان | |▄▀■ عـلـى مـتـن الـطـائـرة ■▀▄| |
| النوع | قصة كبيرة |
ـــــــ ـــــــ
عـلـى مـتـن الـطـائـرة
...
طينة تتقلب فى قلب ماءٍ عفن و ليت هذا السور لم يكن حقيقيًا لولا لرميت نفسى و شاهدت ذاك الشريط الذى يتحدثون عنه ، ضفادع تصرخ و كأنها تتألم و القاهرة الساهرة نامت و أمست وحوش الليل تخرج من مضاجعها باحثًة عن الفرائس ! ، ما هذا الرعب الذى نعيش فيه ! و يحدثونك عن سحر القاهرة و ليتهم محقون فلن تجد هنا سوى الملل و السخط من الحياة .
فى هذا الخريف الممل أفاق هشام من نومه و هو محاسب فى شركة عالمية كبرى رغم سنه الصغير و هذا لم يمنعه أيضًا من العثور على حياة الترفِ و وجد نفسه بين أحضان المال و هو لايزال فى مقبل العمر حيث إستطاع والده أن يوفر له وظيفة تلائم مركزه الإجتماعى و ترضى كبرياءه .
كعادته أشعل أولى سجائره من شرفة تطل على أوراق شجرة ساقطة و ألوان مترامية على الأرض و وسط هذا البرد دقّ باب غرفته فألقى بالسيجارة مسرعًا و فتح أبيه الباب فقد كان يظنه لم يصحى بعد و يخشى عليه التأخر عن العمل .
على مائدة الفطور السريع و بينما كان الوالد المتقاعد يأكل بعذاب السنين بعدما إستغل منصبه فيما إستغل و جمع جزءًا من ثروته - و ربما ثروته كلها ! - من نفوذ عمله ، جلس هشام لا يأكل و لا يشعر برغبة حقيقية فى الطعام .
شعر الوالد بإن هناك ما يشغل خاطر إبنه و ظن بدايًة أنها مشكلة عمل فسأله بوجه مستغربًا :
- ما بك يا هشام ؟
- لا شئ .
- تعابير وجهك تخبرنى العكس .. أنا أعرفك !
- إنه فقط إحساس غريب يحثنى على عدم الذهاب للعمل خلال الأسبوع المقبل .
- ظننت أنها مشكلة عمل بالفعل ، واجهها ولا تتهرب .
- الأمر أننى مللت القاهرة و لم أملّ العمل ... أفكر حقًا بالسفر وحدى ، أحتاج أن أكون وحدى قليلاً .
...
ها قد أصبحت ريشة و حلمت أن أكون كذلك فستفرد تلك الآلة أجنحتها و أكون ريشة على متنها و سأخترق السحاب بكبرياء و أظل فى السماء لما يقارب الساعة و على أى حال فذلك أحنّ على قلبى من سماء القاهرة و أرضها .
صعدت على متن الطائرة و نظرت من خارج النافذة فلم أجد سوى بغضى لهذا الإسم الذى يلى كلمة ( مطار ) . فنظرت إلى المدينة بعدما حلقت بنا ذات الجناحين نظرة تعالى و كأن الطائر قد خرج من قفصه أو السجين قد فك اسره و ربما رحل جيشًا بإكمله عن بلد ما !
من كثرة تفكيرى قد نسيت هذا الذى بجانبى ، فعلى متن طائرة متجهة إلى الأقصر جلس بجانبى غريبًا تستشف من ملامحه و إيماءاته و بلاهة وجهه المستدير السمين أنه من أغبى من خلق الخالق و بدا لى مستعدًا لحديث طويل من طرف واحد و كنت متفقًا مع نفسى على ألا أجاريه فى هذا الحديث أبدًا .
ها قد بدأنا و رأيت شفاه الرجل تمتم بكلمات كرهت أن اسمعها فقال و هو ينظر بنصف وجه ..
- تبدو لى مرّتك الأولى فى ركوب الطائرة .
فرددت بعنف المدافع عن الحق و كأننى أسدد صفعة قوية للغباء العالمى
- بل إنها مرّتى العشرين أو أكثر ، و لكن لماذا سألت ؟
فرد الرجل و قد تغيرت ملامح وجهه الغبية و هو يرمقنى بنظرة بها بعضًا من الدهاء و بعضًا من السخرية
- القلق لا يفارق وجهك .
و ظل الصمت متولى حديثنا و الإندهاش لا يفارقنى فى مدى حماقتى و ظللت أحدث الرجل عن مشكلتى و لكنه لم يبدْ عليه أى إهتمام فكان يريد إما بكلمة صغيرة أو بإيماءة رأسه .
نزلت على أرض الأقصر و شعرت بلسعة من اللهب فذهبت إلى الفندق حيث إنتظرت برنامجًا ظهر و كأنه مسليًا فى شكله بينما كان مملاً و متعبًا فى مضمونه .
سافر الملل معى من القاهرة للأقصر و أبى أن يفارقنى فأخترق جسدى حتى جعلنى أكره النوم و أكره المشى و أكره الحياة ! فنظرت للطين مرة أخرى و قد لطخ الماء و تمنيت لو أنضم لهذا الطين .
...
و بينما إبتعدت قليلاً عن الناس فى اليوم الرابع و تركت البرنامج الممل و من فيه و ذهبت ليلاً لإستنشق بعضًا من هواء الأقصر النقى ظنًا منى أن الهواء سيأخذ معه الملل إلى حيث يريد أن يذهب .
و فى ليلة الظلام يشتد بها إذ بشبح يخرج و يظهر من الفراغ فتعمقت النظر فإذا بها شبحة و شائت الصدف أن تكون هذه الشبحة هى ( ثناء ) خطيبتى السابقة ! ، وقفت عندما رأتنى .. فى البداية بدا عليها إستغراب شخص غريب ينظر إليها بعمق .. ثم أيقنت أن هذا الشخص ليس بغريب فتبدلت نظرتها إلى نظرة مفاجأة غير متوقعة قائلًة :
- كيف حالك ؟
برغم كآبتى و مللى و حزنى رددت
- بإفضل حال ، و أنتى ما أخبارك و ما الجديد ؟
- لقد تزوجت مؤخرًا و أنجبت سارة .
وضعت وجهى فى الأرض لحظة ثم رفعته مبتسمًا إبتسامة زائفة
- ألف مبروك .
- أنا مضطرة للذهاب الآن .
- تفضلى ، مع السلامة .
و لم ترد عليى السلام بل تركتنى مرة أخرى حيث ذهبت مسرعة كالمرة الأولى ليبتلعها الظلام ! ، و رغم أن الحديث نزل على منزل أيام و شهور و لكنه فى حقيقيته لم يأخذ أكثر من دقيقة .
كالعادة ها هو جحيم الملل الأبدى يشتغل بلا رحمة أو تهاون ، و ها قد أتت ثناء لتكرهنى فى الحياة بطريقة معاملتها الرسمية لى و طريقة زواجها الدرامية بعد أن تركتنى بإقل من سنة ، و جلست فى الغرفة كعادتى أندب حظى و أتعجب لما آلت إليه الأمور و لقد كان فكر الإنتحار لا يفارق رأسى حقًا !!
و ما الفارق بين الأقصر و القاهرة فكلاهم يشعلون الألم بداخلى و كلاهم يعذبونى ، إلى أين أذهب بعد الآن ؟ تركت القاهرة كمعاقبة لها منى فوجدت الأقصر تردّ لى الصاع صاعين بل و أكثر من ذلك .. و على الأقل فلى فى القاهرة أهل و أصدقاء و بيت أرجع إليهم بعد كل مصيبة أو مرض و لكن من لى هنا ؟!!
و فجأة دقّ رجل الباب ليذكرنى بموعد مغادرة الطائرة فى السابعة مساءً و كانت الساعة هى الثانية فحزمت حقائبى و بدأت الإنتظار الطويل فى حجرة الملل .
...
و بينما إقتربت قدمى من الصعود للطائرة إمتلكتنى نشوة غريبة لم أجد لها تفسيرًا منطقيًا فى هذا التوقيت بالذات و لكنى علمت ما سرّها إنها نشوة العودة ! ، إنها نشوة الوحشة للإهالى و للأصدقاء و ربما للبيت الذى هجرته نادمًا بلا سبب ! ، و ربما نشوة الإشتياق للجلوس فى المنزل بعد يوم من العمل الشاق ، أو الجلوس فى مقهى ( ليالى ) مع الأصدقاء و أنت فى حالة إسترخاء تام و تشرب النارجيلة و تلعب الكوتشينة و لعلها تكون وحشة للعمل و تذكر الوعد الذى وعدت به نفسى من مركز إجتماعى مرموق يجعلوهم لا يتحدثوا عنى و كأننى من صنع والدى بل أنا من صنع نفسى !
لقد أدركت الآن ما هو سر نشوتى و سر إشتياقى إنها القاهرة . إنى مشتاق لها بل إلى كل ذرة تراب بها ، لعل الملل كان من صنعى و ليس من صنعها و لعل الحسرة أتت من نفسها و لم تسلطها القاهرة لتأتى عليى .
لقد ظلمت القاهرة و أنا أعترف و هأنا أدعو أن يمر الوقت سريعًا حتى أستطيع أن أحتضن القاهرة بل فأنا أعلنها من الآن عندما أعود سأحتضن القاهرة و ليتها تنكمش فى يدى و تحتضننى هى الأخرى .
من كثرة تفكيرى قد نسيت أيضًا أن هناك فتاة جميلة تجلس بقربى و عندما لاحظتها لم أبالى فكنت أفتح و أغلق النافذة بإستمرار كالأطفال منتظرًا أن أرى القاهرة .
هبطت الطائرة و وطأت قدمى اليمنى الأرض ثم اليسرى فى مشهد لن ينساه التاريخ ففردت جناحاى و أغمضت عينى منتظرًا أن تنكمش القاهرة بين يداى كما وعدتها و وعدتنى ، و كنت أود أن أطلعها كم كنت مشتاقًا لها فأنتظرت .. و أنتظرت ..
و فتحت عينى ببطئ لم أجد سوى الفراغ ، لم ترد لى القاهرة نفس الإشتياق و رأيت فى وجوه المارة نظرة إستغراب و كأنهم يشاهدون مشهد من مسرحية ( المجنون ) على مسرح ( اللامعقول ) !!
فعدّلت من وضعى و مشيت مع من مشى و أنا أحاول تذكر جملة كنت قد قرأتها فى كتاب و لم أستطع .
لقد رأى الناس مجنونًا أمامهم يغمض عينيه و يفرد يديه و يتمتم بكلمات غير مفهومة ، و تساءلوا كيف لم نلاحظة على الطائرة ؟! ، و رغم أن اللحظات التى وقفت فيها هكذا بدت لى لحظات سعيدة و لكنها كانت أسوأ موقف محرج تعرضت إليه ! ، فعندما ذهبت للأوتوبيس الذى ينقلنا لأرض المطار نظر إلى الجميع فى داخل الأوتوبيس نظرات تقزز و أحيانًا نظرات خوف و إبتعد الجميع عنى .
و ها قد خرجت من المطار منتظرًا ( تاكسى ) ليقلّنى إلى حيث ينتمى مضجعى و بينما وقفت هكذا منتظرًا تذكرت الجملة ..
ليس هناك من لا يعشق وطنه و ليس الوطن بعاشق !
ـــــــ ـــــــ
النهاية
ـــــــ ـــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق